حين قرأت أنباء التراشق الذي دار بين سفير إسرائيل لدى واشنطن ومسؤولة في إدارة أوباما، ثم الانتقادات التي تعرضت لها تلك المسؤولة لأنها تجرأت وانتقدت سفير إسرائيل، أدركت أننا إزاء خطوة جديدة نحو كسر التابوهات داخل الجماعة اليهودية الأميركية بشأن انتقاد إسرائيل.

والقصة باختصار أن حنا روزنثال مسؤولة إدارة أوباما لمناهضة معاداة السامية، كانت قد تعرضت لهجوم شرس من رموز يهودية أميركية مهمة، لأنها انتقدت السفير الإسرائيلي لدى أميركا مايكل أورين، واعتبرت أن انتقاداته لمنظمة جي ستريت غير موفقة.

وكما ترى، عزيزي القارئ، فإن القصة كلها تدور داخل الجماعة اليهودية الأميركية، وموضوعها الجوهري هو انتقاد إسرائيل. ف«جي ستريت» هي لوبي جديد مناصر لإسرائيل، نشأ في واشنطن في إبريل 2008 ووصف نفسه منذ اليوم الأول بأنه «مناصر لإسرائيل ومناصر للسلام» معا.

وكان هدفه المعلن منذ اليوم الأول هو إحداث بعض التوازن الذي يقلل من التأثير المهيمن للوبي إسرائيل الرسمي في واشنطن «إيباك»، والتي استطاعت على مدار العقود الثلاثة الأخيرة أن تجر الساحة الأميركية كلها نحو مواقف اليمين الإسرائيلى.

بعبارة أخرى، فإن جي ستريت نشأت لتوفر الغطاء السياسي، للسياسيين الأميركيين الذين يريدون اتخاذ مواقف تختلف مع اليمين الإسرائيلي.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن انتقاد إسرائيل في أوساط اليهود كان دوما من التابوهات. فمنذ أن بدأ اليهود الأميركيون في الخمسينات إنشاء منظمات هدفها دعم إسرائيل، ظل أغلب هذه المنظمات ـ على تباين مواقفها من القضايا المختلفة ـ تتفق على أمر واحد هو عدم انتقاد إسرائيل علنا، أو القبول بأي ما فيه شبهة الضغط عليها بأي شكل من الأشكال.

فعلى سبيل المثال، نشأت في عام 1973 منظمة يهودية أميركية أطلقت على نفسها اسم بريرا (أي بدائل)، وهي كانت منظمة جد مختلفة من حيث أهدافها، إذ دعت منذ اليوم الأول لحوار علني بين إسرائيل ويهود الشتات. ودعت إسرائيل علنا للانسحاب من الأرض التي احتلتها عام 1967.

وقتها قامت الدنيا ولم تقعد، واجتمعت كبريات المنظمات اليهودية، واتخذت قرارا جاء فيه أن حكومة إسرائيل هي وحدها التي لها الحق في اتخاذ القرارات الكبرى، وأن على اليهود الأميركيين أن يؤيدوا إسرائيل في العلن أيا كان موقفهم من سياساتها.

ومضى القرار ليقول إن من حق اليهود الأميركيين أن يعبروا طبعا عن رأيهم، ولكن في السر فقط وفي الغرف المغلقة، لئلا يستغل ذلك لخدمة أهداف خصوم إسرائيل وأعدائها. وقد قضى ذلك القرار بالطبع على منظمة بريرا، والتزم فعلا الكثير من اليهود الأميركيين بالقرار.

لكن ظلت هناك بالقطع استثناءات، إذ ظهرت منظمات عدة خلال العقود الأخيرة، ونجحت فيما فشلت فيه منظمة بريرا. إذ صار هناك خلال العقود الأخيرة، بعض المنظمات اليهودية اليسارية، مثل السلام الآن وتايكوون وصندوق إسرائيل الجديدة، التي بقيت على دعمها لإسرائيل، ولكنها عبرت علنا عن موقفها المؤيد لوقف الاستيطان وإقامة دولة فلسطينية.

لكن تلك المنظمات ظلت في الحقيقة خارج عملية التأثير على صنع القرار، نظرا لوضعها القانوني وصغر حجمها النسبي أيضا. ومن هنا تأتي أهمية جي ستريت، لأنها من الناحية القانونية سجلت رسميا كلوبي، أي نشأت في الأساس للتأثير على صانع القرار الأميركي. لذلك تعرضت جي ستريت منذ البداية لانتقادات غير مسبوقة، بالمقارنة بانتقادات وجهت لمنظمات أخرى اختلفت علنا مع إسرائيل.

أما مايكل أورين السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، وهو في الأساس مؤرخ معروف بمواقفه اليمينية، فقد ناصب جي ستريت العداء منذ توليه. فهو قاطع مؤتمرها السنوي الذي عقد منذ شهور، وراح يطلق بين الحين والآخر انتقادات قوية ضدها، كان آخرها أن اتهمها بأنها «تلعب بأرواح سبعة ملايين شخص» (يقصد الإسرائيليين).

ومن هنا تأتي أهمية ما قالته حنا روزنثال. ففي أول حوار صحفي بعد توليها منصبها كمبعوثة إدارة أوباما لمناهضة المعاداة للسامية، انتقدت في لقاء مع صحيفة هآرتز الإسرائيلية ما جاء على لسان السفير الإسرائيلي. وقد تعرضت روزنثال لهجوم شرس شنته عليها منظمات يهودية عدة، لكن أعنف هجوم وجه لها كان من آلان سولو رئيس منظمة مؤتمر رؤساء كبرى المنظمات اليهودية.

أهم ما في القصة أن انتقادات المنظمات اليهودية لم تردع روزنثال، التي عادت وأكدت إصرارها على ما قالت. ومغزى الواقعة هو أن الاختلاف العلني من جانب اليهود الأميركيين مع إسرائيل، صار أكثر سهولة اليوم من أي وقت مضى. وموقف حنا روزنثال المنتقد لسفير إسرائيل يمثل نقطة أعلى في هذا الصدد.

والسبب يرجع إلى أن المنصب الرسمي لم يحل بينها وبين أن تعلن اختلافها مع سفير إسرائيل. فروزنثال يهودية معروفة بمواقفها المؤيدة لإسرائيل، وهي كانت فيما سبق مديرة لمنظمة يهودية اسمها المجلس اليهودي للشؤون العامة. لكن رغم أنها تشغل اليوم منصبا رسميا إلا أنها لم تتورع عن أن تعلن رفضها لما قاله سفير إسرائيل.

ورغم أن وظيفتها في منصبها الجديد هي ملاحقة العداء للسامية، إلا أنها انطلقت في حوارات مختلفة تعلن رأيها في ما يتعلق بضرورة وضع حد للصراع العربي الإسرائيلي، وقالت إن ذلك مرتبط ارتباطا وثيقا بوظيفتها، «إذ علينا التفرقة بين الانتقاد المشروع لإسرائيل، وبين العداء للسامية».

بعبارة أخرى، بعد أن كان انتقاد إسرائيل من جانب اليهود في أميركا يقتصر على الدوائر اليسارية، انتقل بجي ستريت إلى الوسط السياسي. أما روزنثال، فهي بانتقادها سفير إسرائيل علنا لأنه انتقد منظمة تنتقد اليمين الإسرائيلي، فإنها نقلت المسألة نقطة أعلى، فهي سابقة مهمة أن تنتقد مسؤولة «أميركية يهودية» علنا مسؤولا إسرائيليا.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com