رواية الشتاء غواية بلا وسواس خناس، بل هي وشوشات الدهر المعتق والمبرأ من ضربات شمس رابعة النهار، رواية لها حنين يقذفك الى هوة النسيان، حيث تسكن بقايا ذكريات مراهقة مع لفحة البرد القادمة من باب الوادي المفتوح على مصراعيه لاستقبال القادم الجميل.

في همس خاص تتجلى رواية الشتاء عندما يزحف البرد بكلكله وتعود العصافير الى أعشاشها وتتشرنق هوام الدنيا، الكل يبحث عن دفء فقد حان أوان التوأمة.

رواية لها شجن الشعراء عندما يعزفون في الأماسي ألحان الوله لشغف لم يأت بعد، لشيء كنهه مجهول وكل ما هنالك أن شوقا جارفا يأخذك إليه أو أنت ترتمي في مجهوله، وبأصوات أوتار لا تطرب إلا في هذا الحضور.

ومع الشتاء تتجدد مواسم الحب ولاشيء أحلى من رواية الدفء عندما يقرصك البرد وكأنه يدفع بالروح الى مكنون داخلي طال غيابه.

حضور الشتاء تصافح مع الرائع من اللامرئي، وبلا تحديد للهويات، فما نحن سوى نزق يسير في هذا الطقس الشاسع الذي لا تحده الآفاق ولا يمت للمكان بصلة قربى، بل هو الزائر المتلحف شوقا وحنينا حتى حين.

يطيل الغياب حتى يبدو وكأنه مجرد ذكريات سردت روايتها الجميلة لأصحاب الهوى المنصتين لختامات المسك قبل الرحيل، العاشقين للشعر عند السكون مع أمنية لن تكون.

وعندما تغيب رواية الشتاء فلا سبيل لاقتناص الأثر، حيث لا اثر لها غير أصوات الرياح التي تمر سريعا، فلا يبقى إلا بقايا همسات تذكر بالسائرين في الطرقات عند السحر.

نجوم الرواية يكنزون المشاهد وجدا قل أن نلقاه في مواسم أخرى، وذاك المحنك من يستطيع غرف المعاني بهدوء النسمة القادمة من الأحبة في لحظات الغربة التي تتوالى شوقا ممتلئا بالمعاني، وكلما زاد الحنين الى لحظات حرة من بقايا ذكريات متفلتة كلما كان لكثافة الصورة حضور جميل متناسق مع النفس التي تنتمي الى الجمال الآسر، حيث العشق لهذا الشوق الكوني الواسع.

talib99@emi.net.ae