في محاولة للخروج من حالة الاختناق التي يشعر بها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ما بين ضغوط المتطرفين لمواصلة الاستيطان وضغوط المجتمع الدولي بوضع مسار واضح للتفاوض ، آثر نتنياهو ان يستمد دعما خارجيا من خلال إظهار الرغبة في وضع ترتيبات جديدة للتفاوض مع الجانب الفلسطيني.

ومن ثم كانت زيارته الاخيرة للقاهرة فاتحة لتوقعات بمعطيات جديدة قد تؤدي الى حلحلة الجمود الذي يكتنف عملية السلام.

في تلك الأثناء يكون الصوت الآخر قد أعد لنفسه حملة تشويش من نوع خاص في إطار توزيع الأدوار بين اركان الحكومة الاسرائيلية.

ذلك الصوت هو صوت وزير الخارجية الاسرائيلي أفيجدور ليبرمان الذي أخذ يشكك في (الصفة التمثيلية للرئيس الفلسطيني من جهة ومن جهة يوصي سفراء اسرائيل في العالم: لا يجب ان تخضعوا او تتسولوا من حكام العالم ، الى غير ذلك من عبارات مألوفة من ليبرمان الذي اقتضت توازنات التطرف في دولة الاحتلال الاسرائيلي ان يتولى وزارة الخارجية دون ان تكون لديه مؤهلات العمل الدبلوماسي.

ومعروف ان الدبلوماسية تقتضي اللباقة وحسن اختيار المفردات للتعبير عن الغرض وهذا ما يفتقر اليه ليبرمان الذي لا يملك الحق في تقييم سياسي مخضرم مثل الرئيس الفلسطيني، كما لا يجوز له ان يحرض سفراءه على (رد الإهانة) والمعاملة السيئة بمثلها ، حسب قوله.

وحين كان نتنياهو في لقاء مع الرئيس المصري حسني مبارك في شرم الشيخ في زيارته السابقة كان ليبرمان في نفس الوقت يزور اثيوبيا وبخاصة منطقة البحيرات ليرسل من هناك إشارات استفزاز لمصر ، وتهديدات بان اسرائيل ستهدد موارد المياه القادمة لمصر عبر نهر النيل من منطقة البحيرات.

إذا دور ليبرمان في لعبة السياسة الاسرائيلية هو دور الطفل المدلل الذي يمحو ما يرسمه غيره دون ان يوجه احد اليه أي لوم. وها هو الدور يعود مع عودة الحديث عن احتمالات عقد لقاءات بين نتنياهو وعباس لبحث سبل الخروج من التجمد الحالي في المفاوضات ، وطبعا على اساس عدم الإصرار على وقف الاستيطان مقابل استئناف المفاوضات كما يريد المجتمع الدولي.

ان السياسات الاسرائيلية الحالية هي ذاتها السياسات القديمة المودعة في الأدراج ، ومع تزايد الضغوط على اسرائيل يتم سحب ملف وإعادة تسمية بعض العناوين ثم طرحه على مائدة البحث ، بينما يكون اركان الحكومة الاخرون قد قاموا بدورهم بالتحريض على العنف والتمرد في صفوف المتطرفين ، وتنطلق الفتاوى من الحاخامات تحذر أي مسؤول اسرائيلي من التنازل ، وفي نهاية المطاف يتم طرح المخاوف على (الوحدة الوطنية داخل اسرائيل) الأمر الذي يستدعي طي الملف من جديد وإعادته الى ادراج المكاتب انتظارا لمشهد مماثل قد تفرضه الظروف او الضغوط.

وطالما استمرت هذه اللعبة التبادلية بين ساسة اسرائيل وطالما ان هذا الأسلوب الالتوائي يجد الرضا من جانب الغرب وسكوتا من جانب العرب، فإن المسرحية ستستمر على هذا النحو دون التوصل الى أي حلول تتفق والشرعية الدولية وضمانات الحفاظ على حقوق الفلسطينيين.