المشهد العربي اليوم لا يسر سوى العدو المتربص.. عام من التفكك والإقليمية البغيضة والاستلاب المطلق عن كل ما هو قومي عروبي. عام من «فك الارتباط» العربي الرسمي عن كل ما هو عروبي. عام من تكريس النزعة التحكمية لدى العديد من حكام العرب، على حساب الاوطان والديمقراطية وتداول السلطة والحريات العامة. عام من الفقر والجهل والبطالة والتدهور المفتوح..
الأحوال العربية يتسيدها الخراب والفساد والاستبداد.. بل إن الأمة والدول والأنظمة العربية، كأنها في عطلة قومية مفتوحة، وكأن العرب كلهم في مأساة اغريقية!
فهذا العنوان (وقد استعرته من مقال سابق لي) قد يكثف لنا أحوال العرب اليوم، ليس فقط في خاتمة العام 2009 أو في مطلع العام الجديد 2010، وإنما على امتداد العقد المنصرم.
فنحن ايضا أمام عقد آخر يمكن أن نقول إنه عقد التفكك والتشرذم والمهانة العربية، وعقد القطريات الكارثية، عقد حمل لنا المزيد من خيبات الأمل والاحباطات، والأحلام المحطمة على صخرة الاحتلالات والمحارق والسياسات السلبية تجاه كل ما يجري.
وفي ظل مشهد عربي كهذا وصل أسوأ حالاته عام 2009، كما وصفه عميد البيت العربي عمرو موسى، تتزاحم الأسئلة على الأجندات السياسية العربية، حول أحوال العرب في العام الجديد، بل وفي السنوات المقبلة، في الوقت الذي تتوجه أنظار الشعوب العربية نحو الأفضل..
فهل تشهد الأمة عاما ومستقبلا جديدا مختلفا وأحوالا عربية أفضل؟ وهل تخرج الأمة من حالة التشاؤم إلى فضاء من التفاؤل يدلك الجسم العربي المحنط؟!
فماذا تقول الأدبيات العربية عن الأحوال العربية؟
عميد البيت العربي عمرو موسى، كان فتح واحدا من أهم وأخطر الملفات، وهو الملف المتعلق ب»الأحوال العربية» و»الأيادي الشريرة الخفية التي تعبث بالأمن العربي»، وب»تفكيك العراق وضياع هويته العربية»، حينما أعلن في لقاء تلفزيوني يوم 8/3/2006: «ان مشروع الشرق الأوسط سطو مسلح على دولنا وحضارتنا وتراثنا»، وأن «إسرائيل لم تكن لتوغل في سياستها وجرائمها، لو لم تكن تتمتع بحصانة دولية وحماية غربية».
ولذلك نعتقد بقناعة راسخة، في ضوء هذه الحقيقة الساطعة التي أكدها عميد البيت العربي، بنظرية المؤامرة الاستعمارية على الوطن والأمة، وأن كل الأحداث في عالمنا العربي تسير وفق أجندة ومخططات ووثائق «مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط»، ولكن لصالح إسرائيل.
فهكذا كانت الأحوال في فلسطين والمنطقة منذ مطلع القرن الماضي، مرورا بالنكبة وإقامة الدولة الصهيونية، وكذلك بالعدوان الثلاثي عام 56، وعدوان حزيران عام 67، وصولا الى الأحداث الراهنة في فلسطين والعراق ولبنان والسودان والصومال، بكافة عناوينها الحربية والسياسية التفكيكية.
كان المفكر العربي محمد حسنين هيكل قد حذر العرب مبكرا جدا من أن «الأحداث في المنطقة تسير كلها، منذ كامب ديفيد، لصالح إسرائيل».
المشهد العربي الماثل أمامنا اليوم يطحننا من محيطنا إلى خليجنا، بصليات من الأسئلة والتساؤلات الصعبة التي تمس صميم الواقع العربي والهواجس العربية التي كنا أثرناها مرارا وتكرارا..
فلماذا هذا القدر المفجع من السلبية في التعاطي مع التحديات الماثلة أمام الأمة والتهديدات المحيقة بها؟ أين العرب؟ وأين الدول العربية الكبيرة والقوية وفي مقدمتها مصر؟ وأين مؤسسة القمة العربية؟
وأين مؤسسة الجامعة العربية؟! لماذا يفعل العرب كل ذلك بأنفسهم؟!فلسطين تستباح من أقصاها إلى أقصاها، فسادا وتخريبا واستيطانا وتهويدا وجدرانا عنصرية، وكذلك قتلا مكثفا وتدميرا شاملا وتطهيرا عرقيا، بالبث الحي وعلى مرأى من العرب والعالم.. والعراق كما فلسطين بات تحت الاحتلال والغزو والاستباحة الشاملة.. إلى كل ما يجري في السودان واليمن والصومال وغيرها.
فلماذا يقبل العرب على أنفسهم دور «الكومبارس» في المشهد، وكأنهم في مأساة إغريقية كتبتها الأقدار ولا فكاك منها؟! لا وزن ولا حضور ولا دور ولا هجوم ولا دفاع عن النفس، لهذه الأمة بدولها وأنظمتها وسياساتها الرسمية، لا على المسرح الإقليمي ولا على المسرح الدولي!
إسرائيليا، الجنرال احتياط «أوري ساغي» رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقاً، كان في مقدمة جنرالات إسرائيل الذين تحدثوا عن حالة التفكك العربي قائلا: «لم تعد هناك قومية عربية شاملة في مواجهة إسرائيل»، كما أعرب شمعون بيريز عن اعتقاده بأن «الاحتلال الأمريكي للعراق نسف خرافات كثيرة، مثل وحدة الموقف العربي»، مضيفاً «لقد ثبت أنهم (العرب) منقسمون».
والجنرال احتياط موشيه يعلون يقول: «نحن لم نعد نتحدث عن عالم عربي ولا عن وحدة عربية، وإنما يدور الحديث عن مصالح فئوية خاصة»، ثم المحلل الاستراتيجي زئيف شيف يؤكد هذه المعاني قائلاً: «لا يوجد اليوم تحالف حربي ضد إسرائيل، ولا توجد اليوم أي فرصة لإقامة جبهة شرقية ضدها.. كما يمكن الاستنتاج بأن الوجود الجمعي العربي قد ضعف، وبالتالي لا غرو في أن التقدير الاستخباري الإسرائيلي المتجدد توصل إلى الاستنتاج بأن مجال المناورة لإسرائيل قد اتسع».
فهل من نهاية لهذا الخدر العربي المرعب؟ وهل من أمل في إيقاظ الجسم العربي المثخن بالجراح البليغة؟!
ثم، هل أحوال العرب تسير في ذلك الاتجاه الذي تنبأ به الشاعر السوري الراحل نزار قباني في الثمانينيات في قصيدته «متى سيعلن موت العرب؟» مستخلصا: «الأمة العربية ماتت بذنب الطغاة الذين يمشون على جثث بلا رؤوس»!
المؤشرات تتحدث عن مزيد من الاستلاب والتفكك العربي في العام الجديد، إذا لم يستيقظ العرب. نحتاج على امتداد الخريطة العربية، إلى الإرادة السياسية المستقلة الفاعلة الملتزمة بالمصالح القومية العليا للأمة، وليس على نمط السيادة بإقامة الجدران واغلاق الحدود.. وبالتالي إلى إنعاش الأمل والتفاؤل بغد عربي مشرق ومشرف.
كاتب فلسطيني