حمى الضنك تضرب جنبات من اليمن، وكأن هذا البلد تشبع من الترف فحان وقت البلاء، أو كأنهش لم يكتف من تمرد الحوثيين في الشمال والانفصاليين في الجنوب وإرهاب القاعدة في الوسط، بل لعل حمى الضنك هي تراجيديا الأحزان لما نشاهده من وقائع تضرب باطنابها المفجعة فواصل الأحداث بلا هوادة ولا تغليب لأمن الوطن على قعقعة السلاح.
«وضنك» الأميركان القادم لهو اشد وانكى، ودخولها على خط الأزمة وارد في كل حال، بل هو منطقي لأسباب كثيرة تبدأ من «بشت» الزعامة الذي ترتديه وفقا لمبايعة النظام الدولي الجديد.
ولا تنتهي عند بعبع القاعدة حيث ملاحقة التنظيم إستراتيجية وقائية تستوجب اليقظة. وقد أضاف اليها الشاب النيجيري القاعدي نكهة تدويل جديدة عبرت بالتركيز من أفغانستان إلى البحر الأحمر، وفي زمن باراك أوباما الذي وشوش بالسلام قبل دخوله البيت الأبيض سرعان ما ارتدى بزة الحرب، فالوقائع لا تترك مجالا لمواعظ الرهبان ولا لجائزة نوبل.
طبعا تنظيم ما يسمى بالقاعدة في جزيرة العرب تبنى محاولة تفجير الطائرة الأميركية، وواشنطن تلقفت كل الحدث لتبرر حماس التدخل لدعم حكومة صنعاء التي فتحت عليها أبواب لم تكن على الخاطر، وهناك خلطة غريبة عجيبة جمعت ثلاث رؤى لا يمكن أن تتلاقى إلا في هذا البلد، فزيدية الحوثيين، مع حراك انفصال البيض ورفاقه، مع عنف القاعدة باتت تتبادل الأدوار من اجل انهاك النظام، ولو كانت النتيجة مشهدا لانتحار وطن.
وعودة إلى حمى الضنك لكن هذه المرة العدوى قد تأتي من رعونة التصرفات الأميركية، إذا ما تم التدخل بالقصف الجوي الذي يأكل لحوم المدنيين قبل أن يحقق نصرا مشكوكا في حجمه على «الإرهاب»، مثلما يحدث يوميا في أفغانستان وباكستان، وهنا يقع خوف خلط الأوراق على ما هي عليه من خلط وارتباك وفي بلد مثل اليمن حيث القبيلة قابعة في الأوداج والشرايين والسلاح متوفر بين الأيادي.
والمزيد من التشظي لا ينقصه غير سحب الزناد، وإذا أضفنا إليها الفتاوي ذات البلاوي وسكب للزيت على النار ذات الأوار من كل حدب وصوب، فإننا نرسم صورة قاتمة للمشهد البائس أصلا، وبين فعل وردات فعل تصبح مواجهة الحوثيين نزهة عابرة تجاه الأسوأ المتوقع، اذا ما مارست الآلة الأميركية غطرستها العلنية بطيار وبدون طيار.
مع كل التمنيات لشفاء عاجل لليمن وأهله من حمى الفتنة والضنك، فإن الحكمة تدعو أصدقاء واشنطن وحلفاءها إلى ضرورة التنبه إلى خطورة رعونة التصرف في هذه البقعة العربية التي لا تحتمل مزيدا من الأخطاء والتجريب.
