عادة ما تتم عملية جرد حساب في نهاية عام وبداية عام جديد، أو في نهاية عشرية وبداية عشرية جديدة، جردة حساب هدفها تقييم ما حصل بغية إعادة تحديد المسار بشكل أفضل، بعد استخلاص الدروس والعبر مما سبق. فماذا عن حال العرب في جردة الحساب هذه؟

لا يختلف اثنان، أيا كانت خياراتهما السياسية أو انتماءاتهما العقائدية أو أصولهما الوطنية، حول سوداوية المشهد العربي برمته، ولو أن الخلاف يبرز ويزداد عند «توزيع» المسؤوليات عما وصلنا إليه، وعادة ما يدخل العنصر السياسي في عملية التوزيع هذه للتركيز على عناصر وتخفيف مسؤولية عناصر أخرى.

العالم العربي اليوم لم يعد يملك قدرة اللاعب الفاعل، بل صار ملعبا استراتيجيا للآخرين، أيا كانت طبيعة العلاقات مع هؤلاء الآخرين من أصدقاء وخصوم وأعداء. فقد قدرة التأثير والمشاركة الفاعلة في بلورة الأجندة الإقليمية وفي التعامل مع تحدياتها، فصار العرب هم الأقل تأثيرا في القضايا العربية المشتركة والعامة.

بعض هذه الصورة القاتمة، انتشار وتعمق ظاهرة الدولة الفاشلة كما هي الصومال، أو الدول المصوملة، مع التذكير بأن الصوملة درجات، مثل حالة السودان واليمن، ومثل وجود مخاطر ما زالت جاثمة فوق العراق وهو يحاول العودة إلى الدولة الطبيعية، ولو حسب النموذج اللبناني الحامل دائما لعناصر التوتر والتدخل، نموذج الديمقراطية الطوائفية وما يعيشه لبنان في ظل هذا النموذج.

دول مقسمة كأمر واقع ومهددة بالتقسيم «الرسمي»، ودول تعيش حالة تفتت داخلي وقيام جدران بين مكوناتها المختلفة. عالم عربي يشهد أزمات وصراعات مترابطة ومتداخلة، فيما يعيش النظام العربي الرسمي حالة انتظار حتى يأتي الحل من الخارج أو التسوية المؤقتة أو الانفجار. فالعجز في الفعل السياسي هو إحدى سمات الحالة العربية الرسمية.

لقد سقطت «السياسة» كفعل تأثير، واستبدلت بالعقائديات ووعودها الكبيرة من «تحت»، من المجتمع، والمناشدات وتمنياتها المتكررة من «فوق» من الدولة. بعض هذه الصورة القاتمة أيضا وصفها التقرير حول تحديات التنمية في الدول العربية، الذي صدر عن الجامعة العربية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ليلقي الضوء الكاشف على ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العربية.

يذكر التقرير ان عدد السكان العرب وصل الى 330 مليونا عام 2007، وان هذا العدد سيصل الى 385 مليونا عام 2015، وأن 60% من السكان دون 25 عاما، مما يشكل ضغطا هائلا على سوق العمل، مع التذكير بان النمو الديموغرافي مستمر أكثر من المعدل العالمي رغم النجاح في ابطائه.

وللتذكير أيضا، تزيد نسبة العاطلين عن العمل من الشباب الى الضعف، مقارنة مع مناطق أخرى من العالم، وتزيد على 50% من إجمالي السكان العاطلين عن العمل في معظم الدول العربية.

ويذكر التقرير بضرورة خلق حوالي 51 مليون فرصة عمل خلال السنوات العشر القادمة، ليس لتخفيض البطالة، بل لإبقائها ثابتة. ويذكر بالتحديات التي يواجهها العالم العربي.

وهي تحديات مترابطة، أهمها ضرورة الإصلاح المؤسسي، وخلق فرص العمل، وتمويل النمو الخاص بالفقراء، وإصلاح النظام التعليمي، والتنويع في الإنتاج الاقتصادي، وتوفير الأمن الغذائي. وكلها أمور مترابطة تستدعي، كما يقول التقرير، بلورة نموذج تنموي جديد ومختلف.

وللكشف عن خطورة الوضع القائم، يشير التقرير الى أن هنالك حوالي 140 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر. وأيا كانت الانتقادات التي آثارها البعض حول أرقام معينة في التقرير، الا أن ما لا يمكن نكرانه هو الوضع المأساوي على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي، وعلى صعيد مستقبل التنمية الإنسانية الذي يلقي التقرير ضوءا كاشفا عليه. قرارات جماعية تتخذ على أعلى المستويات في الشؤون السياسية والاجتماعية وتبقى دون تنفيذ.

وهذه الحالة استقرت كسمة أساسية في العمل الجماعي العربي، كما استقرت الفجوة المتسعة بين القرار والفعل، وما زالت المزاجية والشخصنة تطبع بشكل كبير العلاقات العربية العربية.

وعلى صعيد آخر لم تنجح الدولة العربية او لم تحاول العمل على حل مشكلة التعددية الاثنية والمذهبية والدينية متى وجدت هذه التعددية، لا بل زادتها حدة بعدما تجاهلتها او حاولت توظيف الفروقات في لعبة داخلية، انقلب في نهايتها السحر على الساحر، والتدخل العسكري «الخارجي» يزيد الحالة راديكالية ويطغى على الأجندة الداخلية، ويسمح لمن يريد بمصادرتها وتحويل الأنظار نحو الخارج لإخفاء عجز الداخل او لتهميش الأجندة الداخلية.

العرب اليوم بحاجة لعقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع، فتآكل شرعية السلطة يهدد في حالات كثيرة شرعية الدولة ذاتها، وقد يؤدي إلى التفتيت او التفجر الداخلي.

والمجتمع العربي صار محاصرا بين اجتياح ثقافة المحرمات للفضاءات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تحملها بعض التيارات الدينية المتشددة، وبين حالة من التسطيح السياسي مفروضة من فوق، من الدولة.

فيغيب الحوار ويحل التطرف والانغلاق، وتسقط «السياسة» كفعل اختيار وخيار، وتحل العناوين البراقة من وعود بالمستقبل او تخويف من مستقبل معين كعنوان للمرحلة، فيجري الهرب عند البعض الى ماض يجعلونه مثاليا لإسقاطه على مستقبل حامل لبعض الأمل، لأن الحاضر مخيف والمستقبل قاتم اذا كان استمرارا للحاضر.

والعرب اليوم بحاجة أيضا إلى مشروع حضاري، تنموي تكاملي، فلا حلول على صعيد الدولة الوطنية وحدها لكافة هذه التحديات، ولا حلول خارج الدولة، بل الحل عبر حوار يشارك فيه الجميع، من اجل بلورة هذا المشروع الذي يشكل نجاحه خلاصا للعرب من السقوط خارج التاريخ وفقدان المستقبل.

شرط التغيير هو فهم الوضع القائم ومقاربته بعقل نقدي، وبتعزيز الثقافة التعاونية والقناعة الراسخة بأن التغيير ممكن وضروري، لكنه يتطلب قطيعة مع بعض أشكال التفكير السائدة ومع بعض السياسات المستقرة والمستمرة.

في بداية هذه العشرية الجديدة، هل ندرك حجم هذه المخاطر ونبدأ بورشة التغيير أم نبقى واقفين دائما على حافة الطريق؟ هذا هو السؤال التحدي أمامنا جميعا كعرب.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr