ترى هل يمكن الوصول إلى بعض التعميمات النظرية بتأملنا لأحداث العام الذي انقضى، وهو العام 2009؟! بالطبع نستطيع، فأحداث العام الماضي، كما بقية الأعوام السابقة والمقبلة، تحمل في طياتها عللاً وأسباباً متواترة، يستطيع الكشف عنها كل من يمعن النظر فيها.
فالتاريخ، الذي هو عبارة عن ماضي البشر والأحداث التي وقعت لهم في أمسهم، عبارة عن معمل كبير للتجارب البشرية التي تقع بتلقائية، وبالتالي فإن نتائج هذه التجارب هي قوانين لا تقل صرامة عن قوانين الطبيعة، التي يستطيع العلماء أن يعيدوا إنتاجها في معاملهم كي يتحققوا من علل وقوعها.
ولعل تسلم باراك حسين أوباما رئاسة الجمهورية الأميركية، كان من الأحداث البارزة التي تشير إلى تغير سياسي أساسي في المجتمع الأميركي، الذي لعبت (وتلعب فيه) العنصرية دوراً تاريخياً في بنائه. فإبادة السكان الأصليين من الهنود الحمر، وجلب العبيد السود من إفريقيا للعمل في مزارع الجنوب، ثم كعمالة رخيصة في مدن الشمال، تحتل حيزاً مهماً في التاريخ الأميركي، حيث رسم العلاقة بين مكوناته الاجتماعية.
أما الهنود الحمر فقد أبادهم المستعمر الأبيض بعد أن جردهم من أراضيهم، ثم أصبح هؤلاء في المخيلة الشعبية الأميركية التي رسمتها «هوليوود» بأفلامها عن الغرب الأميركي ورعاة بقرها من الكاوبوي، أشراراً متوحشين وشرسين يهاجمون المستوطنين البيض «الوديعين»، ويستكثرون عليهم استصلاحهم لقليل من الأراضي من أجل تأمين لقمة العيش، مع وجود سهول ووديان بمد البصر لا أثر للإنسان فيها!
قاوم الهنود الحمر البيض المتفوقين عليهم تقنياً، فأبيدوا بشرف عن بكرة أبيهم، ومن بقي منهم لم يحظوا من المجتمع الأميركي الحديث، سوى بلقب «الأميركيون الأصليون» َفُّيًّم فٍمْيكفَ !
ولولا مقاومة الهنود الحمر المسلحة للرجل الأبيض المتفوق عليهم عدداً وعدة، لبقي هؤلاء عنصراً مهماً في الحياة الأميركية، كما يقول الكثير من المؤرخين، وهو رأي يفتح المجال لتساؤل نظري حول متى تكون «المقاومة المسلحة» خياراً فاعلاً لصاحبها ومتى تكون سلاحاً مدمراً لحاملها؟!
أما السود فقصتهم مختلفة، ربما هي قصة الكفاح السلمي (وهو خيار فرض عليهم منذ البدء) والانخراط في الحياة الاجتماعية الأميركية، رغم قسوة عنصريتها. ثم جاءت اللحظة التاريخية لتحررهم يوم رأى الشمال الصناعي حاجته لأيد عاملة رخيصة.
ويوم أيد هذا الشمال قرار أبراهام لنكولن التاريخي بتحرير العبيد، لتقوم بعده حرب شعواء شارك فيها السود بكل ضراوة مع جيش الشمال، ليدفعوا جزءاً من ثمن حريتهم. وتحرر هؤلاء «نظرياً»، لكنهم بقوا عملياً أسرى الفقر والتمييز الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
ومن خلال «الفعل الجماعي» (السياسي) خلق السود حركة اجتماعية لها قضيتها (الحقوق المدنية)، وتحمل خطاباً سياسياً (يتفق عليه البيض والسود وينطلق من تعاليم الدين المشترك بينهم).
وشعارات جذابة منها المساواة، فضلاً عن وجود قيادة «كاريزمية» (موهوبة) متمثلة في مارتن لوثر كنغ. وتزامنت انطلاقتها مع حرب فيتنام وظهور حركة الشباب الرافض للتجنيد في تلك الحرب، فاكتسبت زخماً على زخمها.
تخلص المجتمع الأميركي من مظاهر العنصرية الفجة، ولا يتجرأ أي شخص الآن أن يجري على لسانه لفظة «زنجي» َيهمْ، واستبدلوا وصف مواطنيهم ب«الأميركيين من أصول إفريقية» بدلاً من السود، وانتخبوا من يتولى أمرهم من هذه الجماعة.
بيد أن طريقاً طويلا لا بد أن يقطعه هؤلاء، للتخلص من رواسب التمييز العنصري الباقية في النفوس، والتي تجد تجلياتها في قلة التصاهر بين الجنسين، وفي أن السود ما زالوا يشكلون فقراء أميركا بامتياز.
وهذه السنة عصفت بالعالم أزمة اقتصادية عنيفة، هي جزء من دورات الرأسمالية المحتومة بين الازدهار والكساد، بيد أن أزمة هذا العام كانت بعنف تلك التي حدثت قبل ثمانين عاماً، والتي يتردد ذكرها في كتب التاريخ.
ولعل الأزمة الأخيرة اختلفت عن سابقتها في كونها قد لعب فيها «رأس المال المالي» الدور الريادي، من خلال تيسير سبل الاقتراض دون التحوط بضمانات أكيدة لاسترداد الأصول.
ومع تقدم التقنيات الحديثة أصبح النشاط الاستثماري، بالذات في أسواق الأسهم وغيرها، يتعدى الحدود القومية ليخرج إلى فضاء عالمي واسع ليجسد العولمة الاقتصادية. وحينما انفجرت فقاعة «ليمان برذر» اهتزت لصداها جميع الأسواق.
وجاء حل الأزمة أو التخفيف من غلوائها من «الدولة» ومن «المال العام»، ومن أم الرأسمالية أيضاً وهي الولايات المتحدة الأميركية، ل«تؤمم» بنوكاً كاسدة وشركات غارقة، ولتنهي الأزمة بذلك واحدة من أعز مقولات الليبرالية عليها،وهي: «دعه يعمل دعه يمر». لقد أثبتت «الدولة» أنها هي الناظم للسوق، وهي الملاذ الأخير «لفوضاها»!
ولا شك أن أحداثاً أخرى كثيرة وقعت في العام المنصرم تستحق التوقف والتأمل، بيد أن المقام يضيق بالتعليق عليها، مع تمنياتنا للجميع بعام جديد ملؤه السعادة.
كاتب كويتي