في سياق محاضرة مغلقة ألقاها السفير الأميركي لدى السودان دونالد باترسون في عام 1990، على الدبلوماسيين العاملين في وزارة الخارجية السودانية في الخرطوم، قال السفير إن العلاقات الأميركية مع السودان بلغت ذروة ازدهارها خلال الفترة من عام 1972 إلى عام 1983. بالطبع لم يكن أي من هذين التاريخين بلا مغزى محدد.
العام 1972 يرمز للمرحلة النهائية من حملة الرئيس جعفر نميري الدموية لتصفية الحزب الشيوعي وإخراجه نهائياً من مجرى التاريخ السياسي السوداني. والعام 1983 كان بداية النهاية لنظام نميري نفسه، حين توصلت الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس رونالد ريغان إلى قناعة بالاستغناء عن «أفضل صديق لأميركا في إفريقيا»، بعد أن قررت لنفسها أنه قد صار ورقة محترقة.
خلال فترة السنوات العشر التي أشار إليها السفير باترسون، كان السودان تحت إدارة نميري مستعمرة أميركية خالصة.
لكن متى بدأ التدخل الأميركي في السودان؟ لقد بدأ حتى قبل إعلان الاستقلال الوطني عام 1956. ويروي لنا التاريخ القريب أن استقلال البلاد كان نتيجة مباشرة لصفقة سياسية بين بريطانيا ومصر، في عهد المرحلة المبكرة من ثورة يوليو 1952.
وعلى هذا النحو كان للصفقة التي أبرمت عنصران رئيسيان: أن تخرج الإدارة الاستعمارية البريطانية من السودان نهائيا، تاركة الساحة السياسية السودانية لمصر.. وفي المقابل يتنازل الجانب المصري عن بعض شروطه بشأن مصير السيادة على قناة السويس. وبناء على هذه الصفقة اتفق الطرفان على أن يترك للسودانيين أمر تقرير مصيرهم، من خلال استفتاء شعبي يخيرهم بين الاتحاد مع مصر والاستقلال. وأسفر الإجماع عن الخيار الثاني.
شاهد القول أن الولايات المتحدة أرادت أن يكون لها موطئ قدم في الساحة السودانية، كقوة استعمارية حديثة للحلول محل الإدارة الاستعمارية البريطانية. وعلى مدى سنوات ما بعد الاستقلال، لم تتمكن من بناء نفوذ قوي إلا في عهد نميري، بعد أن قضى على الحزب الشيوعي قضاء مبرما.
استولى نميري على السلطة بتدبير انقلابي عام 1969 بدعم من قسم من الحزب. واستثمر نميري فشل محاولة انقلابية شيوعية في عام 1971، ليشن حملته الدموية على الحزب، كتمهيد للانتقال بالسودان إلى دائرة السيطرة الأميركية الكاملة.
في عام 1983 صدر على نحو فجائي، قرار من إدارة الرئيس ريغان بوقف «المساعدات» الأميركية إلى السودان. كان ذلك أول المؤشرات الظاهرة على أن واشنطن قررت الاستغناء عن نظام نميري، والشروع في البحث عن بديل. وفي هذا السياق كانت الولايات المتحدة حريصة في كل الأحوال، على ألا يكون للإسلاميين «المتطرفين» نصيب في أي تشكيلة سلطوية بديلة.
وعلى هذه الخلفية خرج إلى حيز الوجود، وفي عام 1983 ايضا، تنظيم جنوبي مسلح باسم «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة جون قرنق، مما أدى إلى إعادة اشتعال الحرب في جنوب البلاد.. تلك الحرب التي ظلت مشتعلة على مدى 22 عاما، حتى توقفت عام 2005 وفق اتفاق سلام «نيفاشا».
سقط نظام نميري نهائيا عام 1985، وبعد فترة انتقالية قصيرة أجريت انتخابات عامة حرة، أسفرت عن تشكيل حكومة ائتلافية بين حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي (الذي تولى منصب رئيس الوزراء)، والحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة محمد عثمان الميرغني.
ولم يعمر الحكم الحزبي طويلا. فبعد ثلاث سنوات فقط وقع انقلاب البشير ـ الترابي، الذي أسس سلطة «الجبهة الإسلامية القومية» تحت مسمى «نظام الإنقاذ».
حتى قبل انقلاب الإسلاميين، كان من الواضح أن الولايات المتحدة قررت أن تراهن استراتيجيا على حركة التمرد الجنوبية المسلحة بقيادة قرنق، لزعزعة استقرار السلطة في العهد الحزبي ومن بعده عهد الإنقاذ.
وكما هو معلوم، فإن الهدف الاستراتيجي المقرر للحركة الجنوبية، هو إنشاء «سودان جديد» يجرد البلاد من الهوية الإسلامية العربية. وقد تبنت هذا الهدف بالكامل.
هذا يقودنا إلى تساؤل: ما مستقبل العلاقة الأميركية مع السودان؟
وفقاً لاتفاقية نيفاشا للسلام، سيجرى في عام 2011 استفتاء عام في الجنوب، ليقرر الشعب الجنوبي مصيره إما بالاستمرار في الوحدة مع الشمال وإما الانفصال.
والآن تشير كل الدلائل إلى أن الانفصال صار أمراً حتمياً، ليقود إلى إقامة دولة مستقلة للجنوبيين معادية، بحكم ظروف قيامها، للإسلام والعروبة.
ومما لا شك فيه أن مثل تلك الدولة ستكون قاعدة أميركية ـ إسرائيلية، لزعزعة دول الشمال العربية الإسلامية، وتنفيذ الأجندة الاستراتيجية الأميركية في عموم إفريقيا.
كاتب صحافي سوداني