في مثل هذه الأيام، قبل عشرين عاما، رحل عن عالمنا المعماري العربي الكبير حسن فتحي، بعد حياة حافلة، توجت بالإجماع على تقديره، باعتباره المعماري العربي الأكثر بروزا في القرن العشرين. ونحن لا نتذكره اليوم بهذه المناسبة فحسب، وإنما لأن زماننا العربي الصعب يعيد تذكيرنا بأقوى طروحاته المعمارية، التي ظلت تتحدى النسيان، لأنها مما ينفع الناس، ومن ثم مكثت في الأرض.
إذا ذكر اسم حسن فتحي، فلابد من أن يقفز إلى الذاكرة كتابه الشهير «عمارة الفقراء»، الذي يتصدره تحذير مروع من أن مليارا من البشر عرضة للموت بسبب بؤس المساكن التي يقيمون فيها، ومن هنا كان تشديده على نظام متكامل لمواجهة هذه المأساة، وهو نظام يشدد على الأصالة الثقافية بأوسع المعاني، ويؤكد على ضرورة البناء بالمواد الأكثر توافرا في البيئة المحيطة وتوافقا معها، ومن هنا جاءت دعوته للبناء باستخدام الطوب اللبن، حيث تتردد في الأسماع كلماته التي لا تنسى «انظروا تحت أقدامكم ثم ابنوا». اليوم لا نملك إلا أن نلاحظ أنه في ضوء الحصار الوحشي، الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، مما يحول دون وصول أبسط ضروريات الحياة الإنسانية إلى أبنائه، يجد الغزيون أنفسهم، بعد عام من حرب «الرصاص المسكوب»، أمام واقع استمرار الدمار الذي أطاح بعشرين ألف منزل، وأدى إلى تضرر خمسة وأربعين ألف منزل.
وبالتالي غدا الحل الوحيد لمعضلة إعادة أعمار القطاع هو البناء بالطوب اللبن، وهو ما شرعت «الأونروا» في القيام به بأسلوب الطوب المقوى، أي المدعم بنسبة 3% من الأسمنت، بسبب استحالة دخول مواد البناء إلى القطاع المحاصر.
هذا التطور يفتح الباب أمام التساؤل المؤرق: إلى أين تمضي عمارة الفقراء بعد عقدين من رحيل المعماري الذي كرس حياته من أجل قضيتها؟
إن نظرة واحدة على الواقع العربي في هذا المجال كفيلة بأن تكشف عن ملامح لا يمكن إلا أن تكون مخيفة حقا، فوفقا لتصريحات مسؤولي «الأونروا» يتكلف البيت الواحد المبني بالطوب المقوى في غزة عشرة آلاف دولار، وهو مبلغ خيالي لا وجود له في عالم الفقراء.
هكذا نجد أنه في العديد من أرجاء العالم العربي تمتد عمارة الفقراء بعيدا عن الآفاق التي حلم حسن فتحي بارتيادها، فهي في الحضر تتجه إلى مراكمة المزيد من أحزمة الفقر والعشوائيات، وفي الريف تتجه إلى الجمود والانكفاء على الذات والتردي إلى ما دون الأوضاع التي انطلق حسن فتحي بمشروعه الإنساني والمعماري لتجاوزها.
هذه الحقيقة هي نفسها التي تدفعنا إلى الوقوف بالتأمل عندما يمكن أن نصفه بالمبادئ الستة، التي أرشدت حسن فتحي طوال حياته، والتي كانت على النحو التالي:
أولا ـ الإيمان بأولوية القيم الإنسانية في العمارة، ومن هنا جاء رفضه لبناء الوحدات السكنية الخانقة والمتماثلة التي تصادر إنسانية قاطنيها، حيث نجد في قرية القرنة أن كل بيت من بيوتها يتفرد بملامح تعكس خصوصيته، على الرغم من أن القرية صممت لإيواء سبعة آلاف شخص.
ثانيا ـ تبني المنهاج الكلي في رؤية العمارة، فهي لم تكن بالنسبة له تعني مجرد جهد وظيفي ولا تقني خالص، وإنما شملت كل جوانب الجهد الإنساني، ومن هنا جاء اهتمامه المدهش بتخطيط المدن.
ثالثا ـ استخدام التقنية المناسبة في السياق المناسب، ومن هنا على وجه الدقة جاء تشديده على توظيف المواد الصديقة للبيئة والتي تتجانس مع احتياجات أبناء المنطقة وتراثهم وتقاليدهم والمهارات الحرفية التي اكتسبوها على مر السنين.
رابعا ـ ضرورة توظيف تقنيات البناء التعاونية ذات التوجه الاجتماعي، فقد كان حسن فتحي يرى أن الحل الوحيد لمعضلة العمارة، على امتداد العالم الثالث، هو الجهد الجماعي التعاوني لمن يسعون لبناء مساكنهم.
خامسا ـ الدور الأساسي للأعراف والتقاليد، فنحن نعرف أنه شيد العديد من الأعمال المعمارية في مصر، السعودية، سلطنة عمان، العراق، الأردن، اليونان، الولايات المتحدة، وحرص على الدوام على أن يتواصل مع أبناء كل المناطق التي نفذت فيها هذه المشروعات وتبني أساليبهم وتقاليدهم في العمارة.
سادسا ـ إعادة تكريس الكبرياء الثقافية الوطنية عبر البناء، وهنا تبرز أهم عناصر الأصالة الثقافية التي طالما شدد عليها المعماري الكبير، فالعمارة عنده جزء من تكريس الهوية الوطنية وتأكيد الاعتزاز بها، في مواجهة مد التغريب الكاسح.
لكن هل ما قلناه هنا عن حسن فتحي يعني أننا ننظر إلى الرجل باعتباره أسطورة لا تزال تشع وهجا بعد عقدين من رحيله عن عالمنا؟
من المؤكد أن هذا ليس صحيحا، فنحن نرى الرجل بعين موضوعية من خلال مشروعاته المنفذة، ومن خلال التيار الفكري الذي تصدى لقيادته، ليس في العمارة فحسب وإنما في التنمية والتحديث أيضا، وندرك أن بعض أفكاره بحاجة إلى تناول نقدي وعملي نشط، وهو ما يحاوله المعماريون العرب الذين تأثروا بأفكاره، وفي مقدمتهم المعماري عبد الواحد الوكيل.
حقا إن الزبد يذهب جفاء، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، وقد كان ما قدمه حسن فتحي للناس نافعا بكل المعايير، ويشكل صميم الحل الصحيح ـ اليوم وغدا ـ لمعضلة عمارة الفقراء.

