تحتفل مصر هذه الأيام بالذكرى الخمسين أو اليوبيل الذهبي لبناء السد العالي الذي كان حلم العالم العربي المسلم الحسن بن الهيثم، الذي ولد عام 965 وتوفي عام 1029، وكان أول من فكر في إقامة بناء يحجز مياه النيل لإعادة تنظيم استخدامها، وحماية البلاد من أخطار الفيضانات التي تتجدد سنوياً، لكن الفكرة لم تر النور إلا بعد أكثر من ألف عام على مولده.
وإذا كانت مصر هبة النيل، فان السد العالي هو هبة المصريين الذين طالما اجتهدوا لضبط سريان النهر الخالد منذ عهد الفراعنة وحتى يومنا هذا، فكانت لهم السيطرة على تدفق مياهه بما يخدم حياتهم اليومية في تأمين المأكل والمشرب، والوقاية من غدر الفيضانات حينا والجفاف أحياناً أخرى.
فمنذ اللحظات الأولى لقيام ثورة يوليو 1952، كان أول المشروعات الكبرى التي جرى العمل على تنفيذها، بناء سد ضخم عند أسوان لحجز فيضان النيل وتخزين مياهه وتوليد طاقة كهربائية.
وفي أوائل عام 1954 تقدمت شركتان هندسيتان من ألمانيا بتصميم للمشروع ، الذي أقرته لجنة دولية في نهاية العام ذاته، عندها طلبت مصر من البنك الدولي تمويل المشروع، وبعد دراسات مستفيضة أقر البنك الدولي جدوى المشروع فنيا واقتصاديا.
وفي ديسمبر 1955 تقدم البنك الدولي بعرض لتقديم معونة بما يساوي ربع تكاليف إنشاء السد، لكن الضغوط الأميركية والغربية وقفت وراء سحب البنك الدولي عرضه في 1956، وهي المعركة الشهيرة التي كانت سبباً في اتخاذ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرارا بتأميم قناة السويس.
وبعد العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، استطاعت مصر بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي آنذاك تمويل بناء السد الذي بدأ العمل في تنفيذ مرحلته الأولى في 9 يناير 1960، قبل أن يكتمل البناء ويحتفل بافتتاحه رسميا في15 يناير1971.
لقد روج كثيرون لسلبيات السد العالي، لكن تقريرا صدر عن الهيئة الدولية للسدود والشركات الكبرى اعتبر السد العالي أعظم وأكبر مشروع هندسي في القرن العشرين من الناحية المعمارية والهندسية متفوقا في ذلك على مشاريع عالمية عملاقة أخرى، بما يجعله سداً من ذهب.
