لا شك أن لقاء عمان الدولي «الشرق الأوسط 2020: هل يمكن تحقيق حل شامل؟»، الذي نظمته وكالة نوفوستي ومجلس السياسة الخارجية والدفاعية في روسيا الاتحادية، في إطار مشروع نادي «فالداي» الدولي للنقاشات، طرح من جديد التساؤلات الحساسة في ملف الصراع العربى ـ الإسرائيلي.

خاصة أن هذا اللقاء ترافق مع زيارة وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى القاهرة، والتي أجرى خلالها مباحثات مع نظيره المصري أحمد أبو الغيط، وأكد خلالها أن روسيا تواصل الإعداد لمؤتمر موسكو لتسوية أزمة الشرق الأوسط، وأعرب عن قناعته قائلا «ولا أعتقد أن أحدا يحاول بشكل مقصود عرقلة عملية التحضير لهذا المؤتمر».

وقد جدد الرئيس ديمتري مدفيدف في رسالة إلى نظيره المصري حسني مبارك، تمسك روسيا بإعادة إطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط، التي تتطلب بذل جهود جماعية ونشيطة من قبل لجنة الوسطاء الدوليين الرباعية، والأطراف الإقليمية المعنية، والمجتمع الدولي كله.

وشدد مدفيدف على ضرورة التقيد الصارم والدقيق بأحكام «خارطة الطريق» للتسوية، وتخلي الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني عن اتخاذ أية خطوات أحادية الجانب.

واعتبر الرئيس الروسي أن المهمة الملحة، هي استعادة وحدة الصف الفلسطيني بأسرع ما يمكن، على قاعدة منظمة التحرير الفلسطينية ومبادرة السلام العربية. ودعا لإقامة منطقة خالية من سلاح الدمار الشامل ووسائل نقله، في الشرق الأوسط.

وقد عكس لقاء عمان تباينا في آراء المحللين والسياسين الروس، فبينما يرى السياسي والأكاديمي يفغيني بريماكوف أن الخروج من الجمود الحالي الذي تمر به عملية السلام في الشرق الأوسط، سيكون ممكنا في حال قيام إسرائيل بتجميد النشاط الاستيطاني بشكل كامل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتجديد الولايات المتحدة موقفها الرافض لتجميد الوضع في الشرق الأوسط على المستوى الحالي بشكل واضح وحازم، وتنشيط عمل لجنة الوسطاء الدوليين..

أعرب مدير معهد إفريقيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية، اليكسي فاسيليف عن قناعته بأن الحل في الظروف الراهنة، لن يكون إلا عبر إقامة دولة عربية إسرائيلية موحدة، داعيا المجتمع الدولي لفرض حل جماعي لهذه القضية، إذا عجزت أطراف نزاع الشرق الأوسط عن الاتفاق ذاتيا.

واعتبر أن اقتراح قيام إسرائيل بإجراء مفاوضات من «الصفر»، لا هدف له سوى كسب الوقت.

أما رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الفدرالية الروسي ميخائيل مارغيلوف، فيرى أنه يجب أن يتخذ المجتمع الدولي موقفا موحدا من تطورات الوضع في الشرق الأوسط، بهدف دفع إسرائيل والفلسطينيين إلى استئناف المفاوضات.

ويبدو واضحا أن حالة الجمود في التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، دفعت المحللين والسياسيين الروس لتقديم رؤى مختلفة، على أمل أن تحقق هذه التصورات تقدما ما في مسيرة التسوية السلمية.

إلا أن هذه الأزمة لها تشعبات معقدة، بدءا من مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة، مرورا بتحديد الوضع القانوني للقدس بصفتها عاصمة لدولتي فلسطين وإسرائيل، وانتهاء بتسوية الأزمة على كافة المسارات، بما فيها المسار اللبناني والمسار السوري، وعدم تأثير ذلك على المار الأساسي للعملية السلمية.

لكن الملاحظ أن إسرائيل تسعى لتأجيل كافة هذه الملفات، وتواصل سياسة بناء المستوطنات، ولا تتجاوب مع مبادرات رباعي الوسطاء الدولي، ما يسبب تجميد مفاوضات التسوية، وهو ما لا بد أن يؤدي إلى عدم إحراز تقدم ملموس في عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط، وتفاقم الأزمة واندلاع موجهات عنف جديدة وواسعة الأبعاد.

أكثر من هذا تدعم إسرائيل سياسة احتكار دولة واحدة لعملية السلام واستبعاد اللجنة الرباعية عنها، وتضع شروطا على كافة المبادرات والمساعي الدولية، وخاصة الروسية، يمكن اعتبارها شروطا تعجيزية بهدف إفشالها، لتجميد مسيرة التسوية السلمية.

إن تلويح إسرائيل المستمر بإمكانية القيام بأعمال عسكرية جوابية واسعة النطاق ضد سوريا أو لبنان، أو حتى قطاع غزة، لا بد أن تلغي من آفاق التسوية في الشرق الأوسط السبل السلمية وأساليب التفاوض، ما يعني توقف مسيرة تسوية نزاع الشرق الأوسط.

وهذا سيؤدي لتنامي نزعات التطرف في المنطقة، وسيهدد الأنظمة العلمانية والمعتدلة في العالم العربي، بل ويهدد إسرائيل نفسها.

لذا لا بديل عن إقامة دولة فلسطينية على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، مع تقديم بعض التنازلات، لكي تتحقق حالة من الاستقرار تضمن أمن دول المنطقة.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru