منذ تفكيك الاتحاد السوفييتي وسعي الولايات المتحدة للتفرد بزعامة العالم، فقدت الأمم المتحدة الكثير من مخالبها التي كانت تحتفظ بها في ظل سياسة القطبين، واستطاعت الولايات المتحدة أن تحل محلها في الهيمنة على كثير من القضايا الدولية وأن تتولى تسيير هذه القضايا بما يخدم مصالحها وتوجهاتها السياسية. وربما تكون القضية الفلسطينية أكثر الأمثلة وضوحا على هذا. فرغم أن الأمم المتحدة لم تستطع أن تحل مشكلة الصراع العربي-الفلسطيني على مدى عقود من الزمن، إلا أن مجلس الأمن استطاع في تلك المرحلة أن يصدر عددا من القرارات التي يمكن وصفها بالموضوعية مقارنة بالمواقف السلبية التي ميزت دور الأمم المتحدة تجاه الصراع في الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة. فمنذ أن تولت الولايات المتحدة دور الوسيط في الصراع العربي-الإسرائيلي، فقدت مسيرة السلام معناها الحقيقي لأن الوسيط يفتقر إلى أهم ما يجب أن يميزه من نزاهة وحياد. فالموقف الأمريكي كان دائما داعما للمواقف والحكومات الإسرائيلية، سواء كانت من اليمين أو اليسار. حتى التصريحات المشجعة التي أدلى بها الرئيس أوباما خلال حملته الانتخابية وفي الأيام الأولى لجلوسه في المكتب البيضاوي بدأت تفقد مصداقيتها فيما بدأت السياسة الأمريكية تعود إلى سيرتها الأولى من إيجاد المبررات للمارسات الإسرائيلية والخضوع لمطرقة اللوبي الصهيوني في واشنطن.
لذلك فإن تصريحات الأمين العام للجامعة العربية السيد عمرو موسى، والتي طالب فيها أن تقوم الأمم المتحدة بدور أكثر فعالية في تسوية النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، جاءت لتطرح الحل الأكثر منطقية في الظروف الراهنة. فعملية السلام، كما قال السيد موسى، تراجعت بشكل كبير بعد تخلي الأمم المتحدة عن دورها الريادي في هذا المجال. ولا يكفي أن تكون الأمم المتحدة جزءا من لجنة رباعية، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، بل يجب أن تكون هي الراعي الحقيقي لأي وساطة لحل الصراع في الشرق الأوسط، بحيث تستطيع أن توجه النقد حتى للطرف الأمريكي الذي يعتبر طرفا أساسيا في الصراع ولا يمكن اعتباره وسيطا نزيها.
لقد كانت سنوات جورج بوش الثماني في البيت الأبيض كارثية على مناطق كثيرة في العالم، خاصة منطقة الشرق الأوسط. ومهما كانت نوايا الرئيس أوباما طيبة، إلا أن هناك جهات كثيرة في الولايات المتحدة ستقف حجر عثرة أمام أي جهد حقيقي لإيجاد حل عادل للصراع في الشرق الأوسط. لذلك فإن على الدول الأعضاء في مجلس الأمن، خاصة الأعضاء الدائمين، العمل على تفعيل دور المنظمة الدولية وتمكينها من قيادة الجهود السلمية في العالم، وخاصة في الشرق الأوسط.
إن أي وساطة لا تستند إلى الموضوعية والعدالة لا يمكنها أن تنجح. وآن الأوان لوساطة تعيد الحقوق إلى أصحابها، حتى لو في حدودها الدنيا.
