ربما تكون الحقائق التي دونها قلم الصحافي السويدي باستروم، والمتعلقة بانتزاع سلطات الاحتلال الإسرائيلي لأعضاء الشهداء الفلسطينيين من أجسادهم، من أكبر الفضائح الأخلاقية التي باتت الآن تدمغ حقيقة الدولة الصهيونية، باعتبارها كياناً عنصرياً فاشياً، لا مكان فيه لمنظومة أخلاقية أو إنسانية.
فقد كشف التحقيق الصحافي الشهير للسويدي باستروم ليزيح، الستار الذي اختبأت خلفه ممارسات إسرائيل العنصرية، وليشكل فاتحة أمام سلسلة من الحقائق التي بدت فصولها تظهر للعيان، عن الممارسات الإسرائيلية التي لم توفر حتى أجساد الشهداء والمتوفين من أبناء الشعب الفلسطيني. فالعديد من عائلات الشهداء الفلسطينيين، اكتشفوا آثار عبث بجثث أبنائهم بعد استلامها من سلطات الاحتلال، إضافة لقيامها باحتجاز وإخفاء أكثر من أربعمئة جثة لشهداء فلسطينيين، ودفنها في ما يسمى «مقابر الأرقام» لإخفاء معالم سرقة الأعضاء.
وبالفعل فقد كرت السبحة، حيث كشف رئيس الكتلة الموحدة العربية للتغيير الدكتور أحمد الطيبي، أن معهد «أبو كبير» الصهيوني انتزع رقعاً جلدية وقرنيات من جثث فلسطينيين لصالح جنود الاحتلال. وأرفق معلوماته بتسجيلات صوتية لمدير معهد «أبو كبير»، مع حقائق لم تنشر في الماضي تؤكد انه في سنوات التسعينات فان كل جثة وصلت إلى المعهد كانت تنتزع من ظهر صاحبها، وبدون موافقة مسبقة من عائلة المتوفى، رقعة جلدية تؤخذ إلى بنك الجلد في مستشفى «هداسا»، حيث يتم تحويلها لجنود في جيش الاحتلال تعرضوا لإصابات أو حروق، إضافة إلى نزع قرنيات من عيون الجثث.
وكان أحمد الطيبي قدم استجواباً قبل ثماني سنوات لوزير الصحة في الكيان الصهيوني في أعقاب أحداث مشابهة، ولم يؤكد الوزير أو ينف آنذاك، قيام معاهد التشريح الإسرائيلية بانتزاع أعضاء شهداء فلسطينيين دون موافقة عائلاتهم.
ولم توفر ممارسات سلطات الاحتلال في هذا الجانب أجساد المتوفين من العمال الأجانب الذين يعملون في إسرائيل، وهو ما أفصح عنه العديد من المصادر داخل إسرائيل ذاتها، ومن داخل مشرحة أبو كبير في القدس الغربية المحتلة على وجه التحديد.
فقد أشار مدير معهد الطب العدلي في إسرائيل وقياديون سابقون في الاستخبارات الإسرائيلية، إلى هذا الموضوع في أحاديث نقلها موقع «يوتيوب» على الإنترنت، بما في ذلك مقابلة صرح فيها مدير معهد الطب العدلي الإسرائيلي بأن المعهد نقل أعضاء من موتى فلسطينيين ويهود إلى مرضى في التسعينات، دون الحصول على إذن من أصحابها.
كما صدرت تصريحات إضافية لوزيرة العلوم السابقة، عن إجراء شركات أدوية إسرائيلية تجارب على الأسرى الفلسطينيين. وكانت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي بثت أخيراً تقريراً مصوراً عن نقل الأعضاء، تضمن اعترافات سابقة لمدير معهد الطب العدلي الإسرائيلي، خلال مقابلة أجرتها معه باحثة بريطانية.
وفي هذا السياق، فان الجهود الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية، للقيام بمهمة تسليط الأضواء وكشف حقيقة ما جرى، أو لجمع الأدلة الدامغة التي تؤكد على قيام السلطات الإسرائيلية بسرقة أعضاء من جثث شهداء فلسطينيين ونقلها إلى مرضى يهود، تمهيداً لتقديمها للمجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، لملاحقة إسرائيل أمام القضاء الدولي وإثارة القضية على المستويات كافة، ما زالت جهوداً متواضعة، بالرغم من تشكيل لجنة وزارية في الحكومة الفلسطينية لهذه المهمة.
فالمسألة الأساسية هنا، تكمن في ضرورة إثارة هذه القضية، التي تؤكد للمرة الألف الطبيعة العنصرية الفاشية التي لإسرائيل وللفكرة الاستعمارية الصهيونية من أساسها.
وفي هذا السياق، فإن التحقيق الصحافي الثاني، الذي نشر على مساحة أكبر، وعلى صفحات أوسع وأكبر الصحف السويدية، وعبر وكالة الأخبار العالمية (اكسبريس)، والذي ترجم إلى أكثر من اثنتي عشرة لغة عالمية، جاء ليلقي مرة ثانية الحجر الكبير في مستنقع الممارسات التي تقع أيضاً في بلد محتل هو العراق، وهو ما أثار ضجة كبيرة في السويد وباقي الدول الأوروبية.
وحسب المعلومات، فإن كشف الحقائق الأخيرة، جاء بعد أن تخفت الصحافية السويدية تيريس كريستينسون وزميلها توربيورن انديرسون في سيارة عادية، ليتابعا عن كثب سوق بيع الأطفال الكبير وسط بغداد بالصورة والصوت، وهو ما دفع السويد فورا لإعلان فتح باب استقبال الأطفال العراقيين ممن يتعرضون لسوء المعاملة، ومنحهم اللجوء مباشرة.
فماذا لو قام الفلسطينيون أو أي شعب آخر، بانتزاع أعضاء بشرية من قتلى إسرائيليين واستخدامها بشكل سري؟
كاتب فلسطيني ـ دمشق