الأسبوع الماضي، حكم على أحد الإصلاحيين المعتدلين في الصين، ويدعى ليو سياوبو بالسجن 11 عاماً، لمجرد قيامه بتنظيم وتوقيع عريضة تطالب الحكومة الصينية بالإصلاحات السياسية وحقوق الإنسان الأساسية، التي يتمتع بها الكثير من بلدان العالم الأخرى.

وكانت الرسالة واضحة بالنسبة لكل أولئك الذين طالبوا بشيء من ضبط النفس من جانب الصين ذات النفوذ الجديد، والتي تضطلع الآن بمكانة بارزة على أروقة النفوذ العالمي. ومفاد الرسالة التي أرادت الصين إيصالها هي: بما أنكم أحدثتم ضجة كبيرة من أجل إطلاق سراح ليو بعد اعتقاله، فسوف ننزل به عقوبة أشد. وهذا بالتأكيد سيفهمكم أننا لسنا فقط لا نهتم لآرائكم وقناعاتكم، بل أيضاً لسنا مضطرين للاهتمام بها.

وبرغم السماح لدبلوماسيين من كل من أستراليا وألمانيا بالحضور لمراقبة «المحاكمة العلنية»، فإن حقيقة أنه لم يتم السماح بدخول أي مندوب من السفارة الأميركية، يجب أن تفسر على أنها تحد واضح وعلني للولايات المتحدة.

نحن الصينيين نعرف جيداً هذا النوع من العجرفة السلطوية. فخلال عهد ماو تسي تونغ ودينغ سياو بينغ، عندما كنت أمضي عقوبة بالسجن 15 عاماً، بسبب «جريمتي الشنيعة» المتمثلة بتعليق ملصق على الجدار، كانت الحكومة الصينية تتعامل مع الرأي العام الدولي بنفس الطريقة. وما أراده زعماء الحزب الشيوعي من وراء ذلك، هو أنه عندما يرى الشعب الصيني كيف أن زعماءه لا يأبهون بما يقوله القادة الأجانب المتنفذون، فسوف يدرك أنه لا يملك خياراً آخر غير الخضوع لسلطة الحكومة المتنفذة.

وفي عهد جيانغ زيمين، حدثت بعض التغييرات. ففي إطار المساعي الرامية إلى تخفيف الضغوط الدولية وتطوير الاقتصاد، في ظل ظروف تجارة دولية مواتية من جانب الولايات المتحدة، قدم النظام الصيني بعض التنازلات، التي كان من بينها الإفراج عني وترحيلي إلى الولايات المتحدة. وقوبل ذلك بردة فعل غاضبة من قبل المتشددين داخل الحزب، رغم حقيقة أن عجز أميركا التجاري الهائل طيلة السنوات الماضية هو الذي غذى النمو السريع للصين.

والآن، بعد أن اقتنع الزعماء الصينيون بأن بلدهم المزدهر بزغ كلاعب أساسي في التاريخ العالمي، بينما اضمحلت مكانة أميركا بسبب حرب العراق والأزمة المالية الأخيرة، استعاد المتشددون اليد العليا مرة ثانية.

لا شك أن هناك جانباً من الصواب في فكرة أن تجدد عجرفة هؤلاء، مردّه إلى دور الصين كأكبر دائن لأميركا الغارقة في الديون. وبالتأكيد فإن هذا من بين الأسباب التي تقوي شوكة القيادة الصينية لإهانة الرئيس أوباما، كما فعلت خلال زيارته إلى الصين، عندما حجبوا تغطية الأخبار العامة لخطابه العلني، وعندما أرسلوا مسؤولين من مستوى أدنى للتفاوض معه في كوبنهاغن، حتى اللحظة الأخيرة عندما التقى به أخيراً رئيس الوزراء وين جياوبو.

إن إهانة أوباما بهذه الطريقة لم تكن موجهة لشخصه، بل أريد منها التأكيد على نفوذ الصين في الساحة العالمية. لكن الأهم من ذلك هو أنه كما في عهد ماو ودينغ، أريد من وراء الوقوف في وجه القوة العظمى الأميركية أيضاً، كبح جماح المعارضة الداخلية المتنامية وترويع الشعب الصيني المتوتر، للخنوع لدكتاتورية الحزب الواحد. وهذا أمر حساس جداً في هذه المرحلة بالذات، لأن السماح بهامش أوسع للديمقراطية في الصين، من شأنه أن يعرّي مشاكلها الاقتصادية.

ولهذا كله فإن استجابة الرئيس أوباما لهذا التحدي، ليست شأنا يتعلق فقط بكرامته وموقفه، بل يتعلق بالدفاع عن منظومة القيم الديمقراطية للغرب، في وجه تحدي زحف القيادة الأيديولوجية في القرن الواحد والعشرين.

وتمثل حالة ليو سياوبو فرصة للرئيس أوباما، لردّ اعتباره والتصدي لعجرفة المتشددين المشاكسين في صفوف النظام الصيني. وبينما يتم استئناف قضية ليو أمام المحكمة العليا، يجب على الولايات المتحدة وبقية العالم الإصرار على تعليق تنفيذ الحكم ضده. ومن شأن مثل هذه الوقفة القوية أن تضعف المتشددين، وتقوي في الوقت ذاته أصوات دعاة الإصلاح السلمي داخل الصين. وإذا لم ترد الولايات المتحدة بقوة، سيواصل المتشددون الضغط على نحو ستكون له انعكاسات سلبية على طيف عريض من القضايا، من التجارة الدولية وتقييم العملة إلى الأمن العالمي والتغير المناخي.

صحيح أن خزينة الولايات المتحدة ربما تدين بالكثير للصين، لكنها تدين أكثر للمبادئ التي قامت عليها، والتي تقوم على الحرية وحقوق الإنسان. وإذا لم يبادر الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، لمقاومة نفوذ الصين الجديد في النظام العالمي، فمن إذن سيقوم بهذه المهمة؟

داعية صيني لحقوق الإنسان

opinion@albayan.ae