أ.د. عبدالمالك خلف التميمي
الكلام عن هذا القطاع لا يعني أن القطاعات الأخرى بخير، مثل أوضاع التعليم وغيره، أيضاً نقد الأوضاع الصحية هدفه إصلاح هذا القطاع الهام المتعلق بحياة الناس. هل هناك أزمة في العلاج الصحي في دولنا؟ وإذا كانت الإجابة بنعم فما هي أسبابها؟ ولعل ذكر بعض المؤشرات هنا، يوصلنا إلى أزمة العلاج الصحي في دولنا، وبعد ذلك يمكن الحديث عن الأسباب.
أولا: لقد فقد بعض الناس حياتهم نتيجة إهمال أو تشخيص خاطئ للأمراض..
ثانياً: زيادة أعداد الذين يرغبون في العلاج في الخارج واستجابة الحكومات لذلك، وتخصيص ميزانيات لهذا النوع من العلاج.
ثالثاً: استقالة عدد كبير الأطباء من العمل في الحكومة، والاتجاه للقطاع الخاص.
رابعاً: زيادة أسعار العلاج والأدوية على المواطن والوافد.
خامساً: انتحال البعض لمهنة الطب وهم ليسوا أطباء، لسنوات طويلة دون اكتشافهم ومحاسبتهم.
لا بد من دراسة هذه المؤشرات لمعرفة الخلل وأسبابه، لأننا لا يمكن أن نقف على حقيقة الأزمة أو التردي في العلاج الطبي، دون تحليل تلك المؤشرات ومعرفة الأسباب، عندها يمكن اقتراح بعض الحلول للخروج من المشكلة، ولتكون الطريقة التي نتعامل بها مع الموضوع نموذجاً للتعامل مع المشكلات والأزمات الأخرى في القطاعات المختلفة، سواء كان التعليم أو تنمية الموارد البشرية أو غيرهما.
وحول النقطة الأولى، فإن الكلام هنا ليس عاماً. وحتى نكون منصفين، فهناك جدية ومستوى نفخر به لبعض أطبائنا وهيئتنا التمريضية ومستشفياتنا، لكن الكلام عن تلك السلبيات التي لا يستطيع أحد أن ينكرها. ولا نريد أن ندخل في التفاصيل لنقول ما هي أوجه الإهمال وأين حدث، أو نذكر حالات بعينها، بل طرحنا للموضوع يتناول المشكلة.
أما لماذا العلاج في الخارج وزيادة أعداد الذين يذهبون إليه وتخصيص ميزانيات حكومية لهذا النوع من العلاج، فذلك أولاً دليل على اعتراف دولنا ووزارات الصحة فيها بضعف وعجز طبي لديها، فلجانها هي التي تقرر من يذهب للعلاج في الخارج، وثانياً: فإن المتنفذين وعائلاتهم يعالجون في الخارج، فلماذا لا يسمحون لغيرهم بالحصول على هذا النوع من العلاج؟! فلماذا لا نضع حداً للعلاج في الخارج بتوفير كل مستلزمات العلاج الخارجي لدينا، مع توفر الإمكانيات لذلك؟!
أما عن المؤشر الثالث، فلماذا يقدم عدد كبير من الأطباء استقالتهم ويذهبون للعمل في القطاع الخاص؟ وهل هؤلاء غير قادرين على العمل في ظل أوضاع حكومية لا تتيح لهم مجال العمل؟ أم لأن الحوافز المادية في القطاع الخاص أفضل؟ أم أن هناك أسباباً أخرى نجهلها! إنها في كل الأحوال ظاهرة تستحق الوقوف عندها. وفي الإشكالية الرابعة، فإن بعض المراكز والمستشفيات الخاصة تبالغ في أسعار العلاج والأدوية، مقابل الخدمات الفندقية والأطباء الزائرين وغير ذلك، ثم لدينا سؤال حول التأمين الصحي، إذا كان الوافد يدفع قيمة التأمين الصحي وهو إجباري في بعض دولنا، فلماذا يدفع قيمة الأشعة والعمليات والأدوية؟!
تبقى النقطة الخامسة المتعلقة بانتحال البعض لمهنة الطب تحت سمع وبصر مؤسساتنا الطبية الرسمية، فبين الحين والآخر نقرأ في الصحافة اكتشاف شخص يعالج كطبيب لعدة سنوات وهو ليس طبيباً، وهناك أشخاص متخصصون أو شبه متخصصين في التغذية والرجيم يحملون صفة طبيب ويقدمون للناس وصفات علاجية، فلماذا لا يتم التدقيق في ملفاتهم وشهاداتهم لمعرفة حقيقة المهنة؟ ووصل الأمر إلى ظهورهم في الفضائيات على أنهم أطباء، وكلمة دكتور أصبحت شائعة بلا حسيب ولا رقيب! وهناك ما يسمى هذه الأيام بالطب البديل أو التداوي بالأعشاب.
إن الحالة الصحية في بلداننا الغنية متردية، وتحتاج إلى معالجة فالسكوت عنها مساهمة في استمرار التخلف وعدم التطور.
ولابد في نهاية هذا المقال من ذكر بعض الأمور الأخرى التي تؤثر بطريق مباشر أو غير مباشر على العلاج الطبي فهناك الوضع الاجتماعي. فأولاً لدينا عدد من الأشخاص والعائلات الذين لديهم إمكانيات مادية لا يثقون في العلاج المحلي كما أن لدينا وضعاً اجتماعيا جعل عامة الناس من واقع تجاربهم مع المرض والدواء يصفون لأقربائهم وأصدقائهم دواء هم تعاطوه لا بل أكثر من ذلك يتدخلون في تشخيص المرض، وهذا يخلق اضطراباً لدى المريض وربما لدى الأطباء الذين يقومون بالعلاج. أضف إلى ذلك قصة الواسطة التي تلعب دوراً في من يحصل على الموافقة للعلاج بالخارج وقد لا تستدعي حالته ذلك ولا يحصل عليها كثيرون يستحقونها. إن بلداننا لديها إمكانيات كبيرة وتنقصها الإرادة الجيدة والإدارة لإصلاح العلاج الطبي وغيره لأننا لا يمكن أن نصلح مجالاً دون آخر، مع تمنياتنا للجميع بالصحة والعافية.
كاتب كويتي