عزيزي القارئ لا تتعجل وتسيء الظن في «راجو»، فهو ليس من أبناء الجالية الهندية البسطاء الذين اعتدنا أن نسيء تقدير إمكاناتهم. صديقي البروفيسور «راجو» خبير اقتصادي ومفكر استراتيجي، وصاحب خبرة طويلة في مجال التربية والتعليم وتكنولوجيا المعلومات وإدارة المعرفة، وهو يعمل حالياً في إحدى الجامعات الكبرى في دولة الإمارات.
لقد أرسل لي البروفيسور «راجو» رسالة تتضمن انطباعاته وتحليله للأوضاع في دبي، متجاهلاً أنني من أهل دبي، وإذا تجاهلنا القصد فإن الرسالة تستحق القراءة والتأمل. الرسالة تضمنت الكثير من الملاحظات الموضوعية عن دبي، من شخص لا يربطه بها سوى أنه أمضى فيها وما زال يمضي سنوات من عمره التي تتوزع بين بلده الأصلي الهند، والكثير من الدول الغربية.
بادئ ذي بدء يرى «راجو» أن دبي أثناء الطفرة التي امتدت على مدى سنوات، كانت ضحية للمغالاة في التقدير من قبل بعض المهتمين بها وبشؤونها، كما أنها وقعت ضحية مرة أخرى لاستخفاف هؤلاء في وقت الكساد أو الأزمة. وهذا بلا شك، لا يعني إعفاء هؤلاء من تحمل جزء من المسؤولية عن سوء التقدير هذا. فالمطورون والمستثمرون والبائعون والمشترون في دبي، تصرفوا خلال السنوات الماضية بطريقة غير منطقية، ودون وجود فكرة واضحة المعالم أو معرفة كافية بنقاط الضعف والقوة الفعلية لهذه المدينة الطموحة. فالبيانات والمعلومات غير الدقيقة المتوفرة، وضعت ما يلزم من أساس لهذه النوعية من التكهنات. ويبدو واضحاً الآن أن تقدير حقيقة الوضع الاقتصادي لدبي، بعيد عما قدمه اللاعبون الرئيسيون في أسواق دبي خلال الفترة الماضية.
من جهة أخرى، لا ينكر أحد أن دبي قد أوجدت للعالم اجمع نموذجا جديدا للتنمية. فقد ظهرت دبي كمدينة فريدة من نوعها، ومختلفةً تماما عن جميع المدن الكبرى والمتقدمة في المنطقة والعالم. لقد كانت السنوات العشرون الماضية من التنمية في دبي، أكبر بكثير من الخمسين سنة من التنمية التي أمضتها مدينة مثل هونغ كونغ أو غيرها من المدن التي تعد اليوم مراكز عالمية للتجارة والأعمال. أضف إلى ذلك أن «خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء»، هي استراتيجية شائعة ومقبولة تتبناها الدول في أحوال مختلفة. وإسقاطاً على دبي نجد أنها تقدمت خلال سنوات معدودة، ليس خطوتين فقط بل «عشرين خطوة إلى الأمام»، ولم تتأخر اليوم سوى بضع خطوات، ويظهر بوضوح أن دبي هي الرابح الأكبر، وليست الخاسر الوحيد في نهاية المطاف.
إذاً، أين العيب والخلل في تجربة دبي؟ يبدو بوضوح أن مشكلة منهجية أساسية واجهت دبي وتجربتها الفريدة. فدبي لم تكن جاهزة بما يكفي لتحمل آلام مثل هذا النمو السريع خلال فترة زمنية قصيرة جداً. لقد وقع أبطال قصة النمو السريع والناجح في دبي، ضحية لمثل هذا النمو الذي لم تكن لديهم ـ للسيطرة على مساره ـ مقاييس واضحة وقياسات صحيحة لتحديد أبعاده ونطاق آثاره المختلفة. أضف إلى ذلك، حقيقة أننا نعيش زمن العولمة بحلوه ومره.
فكل ما تحقق في دبي، كان من دون دعم من أموال النفط أو أي تنمية صناعية أو زراعية. فقد كيفت دبي نفسها للاستفادة من ظروف العولمة بمهارة، عن طريق لعب دور متميز كمركز للأعمال التجارية وملاذ لتحقيق أحلام وطموحات الكثيرين، على أسس ومواصفات عالمية.
وتدرك دبي أن في سلة العولمة هناك ثمار مرة لا يمكن تجنبها، ولكن لا يوجد أمامها خيار بديل. الجميع يعلم أن اقتصاد دبي أساسه قطاع الخدمات المعتمد على التدفق الدولي لرؤوس الأموال، والتكنولوجيا، والخبرة، والقوى العاملة.
وخلال السنوات الماضية عكفت دبي على تطوير قطاع المعرفة، أو على الأقل البنية التحتية الأساسية لاقتصاد المعرفة، كما قطعت شوطاً رائعاً في مجال بناء مواردها البشرية الاستراتيجية، وذلك بفضل الرؤية والتصميم من جانب قيادتها السياسية وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ذو الشخصية الفذة والرؤية الخلاقة. ودبي توشك أن تجني ثمار التنمية التي تحققت والبنية التحتية المتميزة، بالرغم من كل الصعوبات التي تواجهها بسبب تداعيات الأزمة العالمية وظروفها الاقتصادية الداخلية.
هل هناك دروس مستفادة من الأزمة؟ هل ستستفيد دبي من هذه الأزمة؟ الجواب: نعم، فكل أزمة تجلب في نهايتها الاستقرار والحافز لمزيد من التقدم على المدى الطويل. الأزمة هي الوقت المناسب للتعلم والقيام بأعمال ترتيب البيت من الداخل، تمهيداً لانطلاقة جديدة أكثر جرأة وذكاءً. في الأزمات الكبيرة يتعرض الرجال قليلو الشجاعة للانتكاسة فيبدؤون في إلقاء اللوم على الآخرين وشتم أنفسهم، أما في دبي فإننا نلاحظ أن قيادتها تثبت من جديد، أنها لا تزال هي الأكثر جرأةً وذكاء في التحرك بالسرعة المطلوبة وفي الاتجاه السليم.
ولكنني أعتقد أيضاً أن الوقت قد حان لإنشاء مركز متقدم للبحوث والدراسات، يهتم بشكل أساسي بدراسة نقاط القوة والضعف في اقتصاد دبي، كجزء رئيسي في المنظومة الاقتصادية لدولة الإمارات. دبي يجب أن تكون أكثر شفافية في تعاملاتها المالية وسياساتها التجارية، وذلك للحد من التكهنات والتوقعات التي لا أساس لها من الصحة. ولتحقيق النمو المطرد، يجب على دبي صياغة وتنفيذ بعض الاستراتيجيات الجريئة في هذه المجالات.
ما نشير إليه من خطوات واستراتيجيات، يجب أن يصاغ وينفذ لتعزيز المكاسب التي تحققت بالفعل في دبي، للمحافظة على النمو المستدام. لقد حان الوقت للحد من النمو القائم على الديون، ومن الأفضل وقف أو تأجيل طرح مشاريع جديدة، بما في ذلك المشاريع الدولية. ويجب بذل الجهود للحصول على عوائد مجزية للاستثمارات التي بذلت خلال السنوات الماضية، حتى تتمكن بسرعة من سداد الديون دون أن يؤثر ذلك على نمو الاقتصاد.
يجب أن تكون الاستراتيجيات موجهة نحو جعل مدينة دبي قادرة على المنافسة عالمياً، وذلك لجذب المزيد من رأس المال والخبرة الدولية. كخطوة فورية، يجب أن تصبح دبي المدينة أقل تكلفة، مع الحفاظ على نوعية جيدة من الحياة.
ويجب اتخاذ تدابير للحد من ارتفاع الإيجارات، كما يجب الاهتمام على المدى الطويل، بتأمين استعداد وتقبل مجتمع الأعمال لحدود دنيا من هامش الربح، بدلا من السعي الدائم إلى تعظيم الأرباح.الجميع يجب أن يتجه نحو الاعتماد على نظام النقل العام للحد من الاختناقات المرورية، والمحافظة على ثقافة العمل الصحية، للحد من التوتر ولتعظيم الكفاءة.
يجب أن تتم صياغة استراتيجيات جديدة لتطوير بعض الصناعات في دبي، وذلك لتلبية احتياجات منطقة الخليج والشرق الأوسط، وخصوصا في مجالات ترتبط بصناعة السيارات، وبناء السفن، وتجهيز الأغذية، وتكنولوجيا المعلومات.
فدبي تتمتع بفرصة كبيرة ومقومات حيوية لأن تكون مركزاً عالمياً ـ أو على الأقل إقليمياً ـ للجودة والتعليم العالي قليل التكلفة. وتعتبر السياحة مجالا مستقلاً يمكن أن تلعب دبي فيه دوراً متميزاً على مستوى المنطقة، خاصة السياحة الطبية. فدبي لديها فرص نمو غير محدودة في هذا المجال، من خلال إنشاء مراكز للرعاية الصحية متعددة التخصصات بكلفة معقولة وذات مستويات عالمية.
في الختام، هذا مجمل ما جاء في رسالة «راجو» الذي لا يبدو أنه أقل تفاؤلاً منكم يا أهل دبي، كما أنه لا يبدو أقل منكم ثقة وإيماناً بأن القيادة السياسية في دولة الإمارات عامة وفي دبي خاصة، قادرة على قلب الطاولة وتحريك العربة من جديد، نحو مسيرة متجددة نحو الحلم الذي لم يتبدد بعد، بأن تكون دبي مركزاً إقليمياً للمال والأعمال.
مدير محاكم دبي
