الوضوح يكاد يغلب الغموض في تفسير أحداث إيران من ناحية تحديد أطراف الصراع وأسبابه المعلنة، وحتى تلك التي تقع في خانة الهوامش، ومع كل الدفق على وتر المؤامرات الخارجية، فإن حصر الأزمة في أطياف الداخل يفرض نفسه على ذهنية التحليل وفي قراءة المستقبل.

ومع إطلالة 2010 يبدو أن هذا البلد الكبير يتماهى على مفترق طرق حتى وان استطاعت مؤسسة الحكم السيطرة على ثلة الشارع الثائر، لكن الدماء المسفوحة في ميادين أكثر من مدينة هذه المرة ليست لبقايا نظام الشاه ولا هي من منظمة خلق ولا تنتمي «لجند الله»، بل هم أبناء النظام القائم الموالون لعقيدته المبايعون لمؤسسته والمشاركون في تثبيت أركانه، وهنا تكمن فاصلة العقدة نحو تحديد المسارات التي يمكن أن تؤول إليها الأمور وهي تعتمد على قرار طرفي الصراع، فهل تغلظ جهة القرار في طهران العصا لكي تنهي هذا التمادي؟ ومن جهتهم أين نهاية الطريق بالنسبة لحراك الإصلاحيين.

ولأول مرة نجد إيران الدولة التي حسمت كثيراً من خياراتها الخارجية تقع في المنطقة الضبابية بالنسبة لواقعها الداخلي الذي يدير تفاعيله الظاهرة المرشد علي خامنئي وحكومة أحمدي نجاد المنتخب، في حين في المواجهة موسوي ومعه يصطف كروبي والرئيس السابق خاتمي، لكن في حقيقة الأمر أن هناك أطرافاً أخرى تظهر من يبن حين وآخر ولها أدوار لا تقل أهمية عن السابقين.

وهنا يبرز الجانب الأخطر في المشهد، فالواقفون على أرضية واحدة من أنصار كل جانب ويمثلون نسبة لا يستهان بها هم الشعب الإيراني، الذي كان عنصر الحسم في إسقاط نظام الشاه في القرن الماضي.

وعندما نستعيد ذكريات تلك المرحلة بصورها المعبرة التي واجهت آلة القمع القاسية نستطيع ان نبعث بإشارات قلق منطقية مما هو قادم من ناحية تحديد الفعل والفعل المضاد، إذ يمكن بسهولة الحديث بأسلوب المحاضرين الأكاديميين عند الحديث عن مواجهات بين معارضة ورجال أمن، لكن التفسير والتحليل ينحو إلى سود الليالي عندما يتمترس المتصارعون بدوائر المناصرين من فتية الشعب الذين قد يبدأون بخانة العشرات، لكن ينتهون بخانات الآلاف إن لم يصلوا إلى الأصفار الستة وهنا تختلط الأوراق وتغيب السياسة وتتعملق العاطفة.

وإضافة النكهات إلى الحالة العامة تؤدي إلى المزيد من التصعيد، خاصة عند استخدام المصطلحات ذات البعد الديني، مثل إلصاق نعوت النفاق والخروج عن خط الإمام والإضرار بعقيدة الولي الفقيه، وغيرها من مرادفات تصب زيتاً حارقاً على نار لها زفير يتعالى، ومن أصعب الصور المتوقعة أن يؤجج كل طرف مناصريه حشداً لمواجهة كسر عظم يزيد التفلت ويحاصر الجميع.

alib99@emirates.net.ae