لا تنتشر الأفكار والرؤى والأيديولوجيا في مجتمعاتنا وبين الناس، بوسائط حديثة أو عبر تطور الحركة الفكرية فيها أو بفعل القناعة بها. أي أن قناعتنا بالرؤى والأطروحات السياسية، وتحديدا الأطروحات التي تخرج من التنظيمات السياسية السرية أو المعلنة لا تتم بفعل الإقناع المباشر بها، أي من خلال القراءة والإطلاع المباشر والطوعي بأدبياتها.

ومن ثمة الاقتناع بها، وإنما يأتي الاقتناع بفعل عامل «ثقة» البعض منا في ناقليها، الأمر الذي يعطي هذه الأفكار عند متلقيها قدرا من الثقة، وربما الأمان لهذه الأطروحات الجديدة والترويج لها.

بمعنى آخر، فإن الأفكار والأطروحات السياسية والأيديولوجية، لا تنتقل بين الناس بوسائط حديثة أو عبر الاعتناق العقلي لها، وإنما يتم التبشير لها بوسائط تقليدية، أولا في أوساط الجماعة القرابية الأقرب من إخوة وأخوات وأبناء عمومة وغيرهم، ثم في إطار الجيرة الأقرب ثم الأبعد، وهكذا... فالأحزاب الشيوعية العربية قد انتشرت في بادئ أمرها في أوساط الأقليات الدينية العربية.

وهي الجماعات التي كانت على انفتاح نسبي تجاه الأفكار والأطروحات الغربية الجديدة. فالحركة الشيوعية العربية قد نشأت خلاياها الأولى في أوساط المسيحيين العرب في بلاد الشام والعراق، وربما في أوساط المسيحيين واليهود في مصر، من خلال الاحتكاك بأوساط بعض عناصر النخب الأوروبية الذين نقلوا معهم تُراثهم الفكري والحضاري الغربي عندما استوطنوا مصر، من الإيطاليين واليونانيين في القرن التاسع عشر إبان الانفتاح المبكر للملكية المصرية على الغرب.

إلا أن هذه الخلايا قد شقت طريقها بعد ذلك في أوساط الجماعات الجديدة المتعلمة من المجتمع العربي، ومن سكان الأحياء الفقيرة في المدن العربية التقليدية.

فأبناء النخب المدينية من الأرستقراطية العربية، قد استقبلوا الأطروحات الاشتراكية والقومية الغربية بقدر غير عادي من الإعجاب، وسرعان ما وجدت طريقها في أوساط المثقفين الجدد ذوي الأصول الريفية والقادمين من الأحياء الفقيرة من ساكني أطراف المدن العربية.

ولم يكن انتشار هذه الأفكار ليتم خارج الوحدات القرابية والجيرة التي شكلت في بعضها حاضنات لنشوء ونمو هذه الخلايا والأفكار، لولا انتشارها الواسع في أوساط نخبها الجديدة وبعض من أبنائها الحاصلين على قدر بسيط من التعليم الأساسي.

ورغم أن هذه الأفكار وغيرها لم تجد طريقها في منطقتنا الخليجية إلا في وقت متأخر نسبيا، مقارنة بالأقطار العربية الرئيسية، إلا أن انتقالها تم إما عن طريق العمالة الوافدة الإيرانية أو الهندية التي عملت في قطاع النفط في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.

ومع ذلك لم يمكنها بريقها الاشتراكي من أن تحصد مساحات واسعة من سكان مجتمعاتنا التقليدية، التي يختلط فيها الدين بالعادات والقيم المحلية، والتي لم يكن التعليم إلا في سنينه الأولى، ولم تتعرف إلا القلة القليلة من سكان هذه المجتمعات على الأفكار والاطروحات الاشتراكية..

وقد تكون تحولات الحركة القومية العربية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مبعثا لقوة الدفع التي حصلت عليها هذه الأطروحات، الأمر الذي ساعد على انتشارها في أوساط بعض جماعات الحركة القومية العربية في البحرين وبعض الإمارات الخليجية الأخرى، في حين بقيت الجماعات القومية الكويتية رغم انقسامها إلى جماعتين، رافضة لتبني الأطروحات اليسارية الجديدة في الحركة القومية.

ومع ذلك فإن هذا الامتزاج قد ساعد نسبيا على انتشار الكثير من الأطروحات اليسارية، وفي اختراق بعض الاطروحات الاشتراكية لأوساط بقايا الحركة القومية ذات الانتشار الواسع في كل الأوساط الخليجية المختلفة.

أي أن الحركة القومية العربية، وبخلاف الكثير من الحركات والقوى السياسية المعاصرة، كانت ذات قدرة على اختراق كل التجمعات المذهبية والطبقية الخليجية، وإن كانت في الكويت ذات حضور مديني، وفي الغالب في أوساط العائلات العربية المعروفة في المجتمع الحضري الكويتي. في حين أنها بدت منتشرة في أوساط الجماعات الحضرية المتعلمة من ساكني مدينتي المنامة والمحرق البحرينيتين.

ويبقى الوسيط التقليدي: القرابة والجيرة، أهم وسائط انتشارها واختراقاتها للأوساط المدينية. وبالمثل فإن أفكار وأطروحات الحركة البعثية العربية قد انتشرت في أوساط عائلات مدينية محددة في البحرين والكويت.

بل إن انتشارها جاء في أوساط بعض العائلات المدينية التجارية من التي خَبِرَ أبناؤها التعليم العالي في بلاد الشام والعراق، وهي في جلها عائلات شيعية مدينية، وإن كانت هناك اختراقات لبعض العائلات المدينية السنية البحرينية المعروفة.

وعند الحديث عن جماعات الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، فإننا نجد أن القناة التقليدية من قرابة وجيرة، قد مثلت القناة الرئيسية في انتقال أفكارها. وهذا قد يفسر انتشار حركة الإخوان المسلمين في الأوساط المدينية الكويتية، أي جماعات داخل السور، عنها في أوساط الجماعات القبلية في خارج السور.

وفي الانتشار الكثيف للأطروحات السلفية في أوساط الجماعات القبلية خارج السور عنها في أوساط الجماعات الحضرية الكويتية، وفي أن تكون الغلبة والسيطرة على حركة الإخوان المسلمين في البحرين للشوافع من عرب الهولة، بعد أن كانت نشأتها الأولى على يد الموالك من أبناء العائلات العربية في مدينة المحرق، مقابل أن تكون الغلبة للموالك من العائلات العربية على الحركة السلفية البحرينية.

وهي غلبة غير حاكمة، بل إن انتشارها قد جاء بفعل عوامل الثقة في ناقلي هذه الأفكار والرؤى من الأقارب والجيران والمعارف، وقد يمتد ذلك لبعض المدرسين العرب الوافدين من الذين بشروا لهذه الأطروحات في المنطقة.

وخلاصة القول أنه رغم الانتشار الواسع للوسائط الحديثة في نقل الأفكار والأطروحات، إلا أن القرابة والجيرة، وربما العامل الإثني الضيق أحياناً، تمثل كلها أهم قناطر نقل وانتشار الأيديولوجيا السياسية في مجتمعاتنا العربية.

إن الثقة في هذه الأفكار والرؤى تبنى عبر الثقة والإيمان في ناقلي هذه الأفكار؛ بفعل مواقعهم القرابية والدينية والاجتماعية، وهي المواقع التي تعطي هذه الأفكار درجة من القبول وربما الإقناع.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com