ربما لا يوجد اكتشاف مرتبط بالإنترنت جذب العالم إليه بمثل هذا الشكل الهستيري، مثلما حدث مع ال«فيس بوك». فلم يندفع البشر للتعامل مع الإنترنت أو البريد الالكتروني أو برامج الدردشة العديدة، بمثل هذا الشكل الذي يقتحمون به هذا الموقع. فقد بدا هذا الموقع وكأنه الجنة الموعودة والراحة الأبدية، للمستخدمين الهاربين من لهيب الحياة اليومية ووطأة العلاقات الفعلية.
يمثل هذا الموقع الذي أُنشئ في الرابع من فبراير عام 2004، بواسطة «مارك زوكيربرج» طالب علوم الكمبيوتر في جامعة هارفارد هو وثلاثة آخرين من زملائه، شبكة اجتماعية كونية يمكن من خلالها للمستخدمين إضافة ملفاتهم ورسائلهم وصورهم الشخصية، مع إمكانية تحديثها بشكل دائم ومستمر.
ويمكن للمستخدم أن ينقل عالمه الخاص من بيته إلى الإنترنت، صوره وصور أسرته وتحركاته ورحلاته ومناقشاته ونجاحاته وإخفاقاته، أي أنه يخلق عالما موازيا للعالم الذي يمارسه، وينقله لأصدقائه ومن يريد لهم أن يتعرفوا عليه.
وهو يشبه بدرجة كبيرة المواقع الخاصة التي اعتاد مستخدمو الإنترنت إنشاءها لأنفسهم، إلا أنه يزيد على ذلك أن المستخدمين يمكنهم أن يضيفوا بعضهم البعض، بحيث يتحول موقع كل منهم إلى شلة أصدقاء يتداولون فيما بينهم كافة أشكال الحوارات والدردشات، بجانب ما يضيفونه بشكل فوري لمواقعهم الخاصة بهم والتحديث الدائم والمتواصل لها.
وحتى يمكننا تصور الانتشار الهائل لهذا الموقع، تمكن الإشارة لمجموعة من الإحصائيات التي أوردها الموقع ذاته عن عدد مستخدميه، وحالة الاستخدام على النحو التالي: بلغ عدد مستخدمي الموقع منذ إنشائه وحتى الآن، أكثر من 350 مليون مستخدم حول العالم.
وهو ما يعني متوسط استخدام سنوي يقارب 70 مليون شخص منذ إنشاء الموقع وحتى الآن. كما أن أكثر من 50% من المستخدمين النشطاء يستخدمون الموقع في أيام محددة، وأكثر من 35 مليون مستخدم يحدثون بياناتهم كل يوم، ويتم إرسال أكثر من 55 مليون مادة جديدة يوميا.
كما يتم تحميل أكثر من 5, 2 مليار صورة على الموقع شهريا، ويتم تبادل أكثر من 5, 3 مليارات مادة (أسماء مواقع، أخبار، قصص، أخبار مدونات، ملاحظات، صور... إلخ) أسبوعيا، كما يتم الإعلان عن أكثر من 5, 3 ملايين حدث كل شهر عبر الموقع، كما يوجد ما يقرب من 700 ألف صفحة نشطة عبر الموقع للإعلان عن أعمال محلية، وأخيرا فقد جذب الموقع ما يزيد على 3, 5 مليارات معجب.
كما يكشف الموقع أن متوسط عدد الأصدقاء لكل مستخدم يبلغ 130 صديقا، وأن متوسط عدد الرسائل التي يرسلها المستخدمون لإضافة أصدقاء جدد، يبلغ 8 أصدقاء في الشهر، ومتوسط ما يكتبه المستخدم من تعليقات يبلغ 25 تعليقا شهريا.
كما أن المستخدم تتم دعوته في المتوسط لثلاثة أحداث شهريا، ويصبح عضوا في 12 جماعة على الأقل. ويرتبط حجم هذا الانتشار بتوفر تصفح الموقع ب70 لغة متوفرة عبر الترجمة، حيث يوجد أكثر من 70% من مستخدمي الموقع خارج الولايات المتحدة الأميركية، وأكثر من 300 ألف من المستخدمين يساعدون في عمليات الترجمة من خلال أدواتها المتوفرة.
ويعني ما سبق، أننا أمام حالة يختار فيها الأفراد بمحض إرادتهم، خلق عوالم موازية لعوالمهم الخاصة، أو بشكل أكثر دقة، نقل عوالمهم الخاصة من ألبومات الصور وخصوصية العقل والممارسات إلى الآخرين، مهما بلغت درجة علاقاتنا بهم وقربهم منا.
وهي حالة غير مسبوقة من ناحية ذلك التصفح شبه اليومي للموقع، والاطلاع على الآخرين ومفاجأتهم بخبر من هنا وخبر من هناك، وبشكل خاص إطلاعهم على الجديد من صورنا وتحركاتنا. واللافت للنظر هنا أن هذه الأرقام ما هي إلا بداية للمزيد من المستخدمين، بحيث ينتقل البشر من عالم الواقع وتفاعلاته، إلى محيط الإنترنت والفيس بوك.
كما أننا لا ننتج عوالم متخيلة مثلما الحال في برامج الدردشة، وإنما ننتج عوالم حقيقية بالصور والمشاعر والكلمات والمناقشات والحوارات والجدل.
فهل يعني ذلك أن عوالم الإنترنت والمنتجات المرتبطة بها تعود مرة أخرى من المتخيل إلى الواقعي؟ وإذا كان الارتباط البشري الحقيقي، هو ارتباط بالمعيش اليومي وصراعاته الحقيقية، فلماذا يُقبل المستخدمون على هذا الموقع وينقلون عوالمهم الحية إلى صفحاته المختلفة ويحرصون على المتابعة اليومية والتدقيق في المواد المرسلة والإصرار على تحديثها؟ هل هو نوع جديد من الهروب الذي نختاره طواعية، في ظل علاقات بأصدقاء نعرفهم أو نخلقهم خلقا عبر فضاء الإنترنت؟
أم أنه نوع من الرغبة في خلق فضاء جديد للذات قد لا نمتلكه في الواقع الفعلي، ويمكننا عبر هذا الموقع خلقه والحياة من خلاله؟ أم أنها الرغبة في الشهرة والذيوع، بديلا عن واقع خانق يطاردنا ويكبت أحلامنا ومشاعرنا ورغباتنا المختلفة؟ وهل تنطبق كل هذه التساؤلات على مجمل مستخدمي الفيس بوك أم أنها تنطبق على ثقافات بعينها دون أخرى؟
وعبر كل هذه التساؤلات يبقى الأهم بالنسبة لنا: ما هو واقع التعامل مع الموقع بالنسبة للمستخدم العربي؟ وهل تنطبق هذه التساؤلات عليه أم لا؟ أسئلة كثيرة تحتاج لإجابات قادمة وموسعة.
كاتب مصري
