تعوّد الناس أن يحتفلوا دائما بقدوم عام جديد. إنه البحث عن فسحة الأمل من أجل جعل فسحة العيش أكثر اتساعا؛ والبشر بحاجة إلى خلق الأمل وينتهزون المناسبات للتعبير عن ذلك. هذا صحيح بالنسبة للأفراد وللشعوب وللأمم، وبالنسبة للعالم كلّه.
لكن، للأسف، يبدو أننا نبتعد، ولا نقترب، من الحلم القديم التاريخي الذي راود الإنسانية منذ بداياتها، والمتمثل في قيام عالم هادئ هانئ مسالم. ولم يعد هناك اليوم من يذكر تلك المقولات «العجولة» التي ترددت في الأمس القريب، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومعسكره الاشتراكي، عن «نهاية التاريخ» والسلام في العالم في ظل الليبرالية الظافرة.
لم يكن ذلك أكثر من وهم ومحاولة لتسويق فكرة زعامة الولايات المتحدة الأميركية.إن التاريخ لم ينتهِ، بل هو يسير عبر جحافل من الأزمات والنزاعات والحروب والمآسي، ومختلف أشكال العنف التي غدت مادّة المعلومات الأساسية لما نسمعه أو نقرأه أو نشاهده أو نعيشه كل صباح ومساء، وذلك بكل بساطة كترجمة مباشرة لغياب الأمن وتعاظم مصادر التهديد في العالم.
هذا كان صحيحا في الأمس، كما تقول دروس التاريخ، وهو صحيح اليوم وسيكون صحيحا في الغد. إنه الصراع الأبدي لإرادات القوّة مهما اختلفت أدواتها وتعبيراتها. ومن لا يملك مثل هذه الإرادة لا يكون فاعلا في مسيرة التاريخ، بل هو مهدد في وجوده أصلا.
في إطار هذه الصورة وما تطرحه من تساؤلات حول المستقبل تتهيأ أوروبا، القارة القديمة، لولوج عام جديد، بعد أن أنجزت في عام 2009 خطوتين في تعميق بنائها الدستوري.
وقد تمثلتا في تصديق بلدان الاتحاد الأوروبي ال27 على الاتفاقية الدستورية الأوروبية المبسّطة، المعروفة باتفاقية برشلونة، والتي أصبحت سارية المفعول اعتبارا من مطلع شهر ديسمبر/ كانون الأول 2009.
وتمّ بناء على ذلك اختيار أوّل رئيس للمجلس الأوروبي «رئيس أوروبا»، وكذلك اختيار ممثل أعلى للسياسة الخارجية الأوروبية «وزير خارجية أوروبا». بهذا المعنى عمّقت أوروبا مسيرة توحيدها وعززت إطارها الدستوري.
وعلى الصعيد الاقتصادي تستقبل أوروبا العام الجديد 2010 وهي مأخوذة، بعد أكثر من عامين من الركود، بين تفاؤل محسوب لاستئناف النشاط في شطرها الغربي، أوروبا الغربية، وقلق عميق في شطرها الآخر، أوروبا الشرقية والوسطى.
التوقعات التي تتفق حولها مراكز الأبحاث والمؤسسات المختصة، تقول إن بلدان أوروبا الغربية عامة، ستعرف تحسّنا ملموسا في «صحّة» الاقتصاد في العديد من القطاعات. ويتفق الجميع أيضا على أن منطقة اليورو قد خرجت «قليلا» من عنق الزجاجة اعتبارا من الصيف الماضي، وحققت زيادة في النمو الاقتصادي بنسبة 4, 0% كمعدّل في الفصل الثالث، بالقياس إلى الفصل السابق «الثاني» من عام 2009.
هذا مع الإشارة إلى أن الزيادة كانت بدرجات متفاوتة حيث أظهرت ألمانيا فإيطاليا ثمّ فرنسا بالتتالي نموّا إيجابيا بينما بقي سلبيا بالنسبة لأسبانيا. ومع الإشارة أيضا أن النمو يبقى سلبيا بالنسبة لمنطقة اليورو على مدى العام بأكمله .
وبالتالي لا ينبغي انتظار معجزات بالنسبة للعام القادم 2010 الذي ستعاني خلاله أوروبا، مثل بقية العالم، من آثار الأزمة الاقتصادية والمالية الراهنة. ثم إن التحسّن الاقتصادي الأوروبي مشروط إلى حد كبير بعوامل خارجية، ليس أقلّها أسعار البترول.
ولا تخفى على أحد الآثار السلبية لارتفاع سعر اليورو مقابل الدولار الأميركي، على الصادرات الأوروبية وعلى قدرة المنافسة في الأسواق العالمية. ولا تزال هناك تساؤلات تبحث عن إجابات، حول متى سيتم الخروج من الأزمة وكيف؟
وإذا كانت آثار الأزمة كبيرة في أوروبا الغربية، فإنها دفعت أغلبية البلدان الأوروبية الشرقية والوسطى، الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي، إلى وضع في غاية الصعوبة، بعد أن كانت هذه البلدان قد حققت حتى صيف 2008 معدّل نمو اقتصادي سنوي، يقارب البلدان الآسيوية ويزيد عن ضعف معدّل منطقة اليورو.
لكن التوجّه انعكس بعد الأزمة، ووصل الأمر ببعض الدول المعنية إلى حافة الإفلاس، مثل هنغاريا وسلوفاكيا. التضامن الأوروبي لعب دوره في هذا الإطار، ولكن برزت تساؤلات أيضا إلى أين يمكن لهذا التضامن أن يصل؟..
في المحصّلة تستقبل أوروبا العام 2010 ببعض المؤشرات المشجّعة، مع استمرار الآثار العميقة للأزمة. سنة جديدة تبدو أفضل في انتظار النهوض الحقيقي.
وفي كل الحالات، إذا كان جارك بخير فأنت بخير، تقول حكمة شعبية شائعة.
كاتب سوري ـ باريس