كان بلا شك عاماً مخيباً للآمال على الصعيد العربي. بدأناه ونحن نضمد جراح الحرب الإسرائيلية على غزة وما رافقها من انقسامات في الصف العربي، وحاولنا التمسك بالأمل مع انطلاق الدعوة للمصالحة العربية من قمة الكويت.

وتضاعفت الآمال مع مجيء باراك أوباما لحكم أميركا، ودعوته لمصالحة تاريخية مع المسلمين، والتزامه بحل عاجل وعادل للقضية الفلسطينية التي اعتبرها مفتاح استقرار المنطقة، والذي أكد انه (مصلحة أميركية) بقدر ما هو مصلحة للشرق الأوسط والعالم كله.

وها نحن نودع العام، والمصالحة العربية لم تتجاوز اتفاق الرياض ودمشق على تشكيل الحكومة اللبنانية وتهدئه الأوضاع في القطر الشقيق، والانقسام الفلسطيني يزداد تجذراً، القضية الفلسطينية تتراجع، والوعود الأميركية تنتهي بقبول ما أملاه نتانياهو على الإدارة الأميركية، في ظل غياب العرب وانتظارهم «المعجزة» على يد الآخرين!

ها نحن نودع العام والأمن العربي مكشوف بدرجة بالغة الخطورة، والمخاطر لم تعد قاصرة على ما يجري في فلسطين، أو على الأوضاع المتفجرة في العراق الذي دمره الاحتلال والطائفية، ولا على الصومال الذي خرج إلى دائرة الفوضى ولم يعد..

المخاطر الآن تجتاح السودان المهدد بالتقسيم كما لم يكن مهدداً من قبل، بينما اليمن يجتاز محنة بين تمرد في الشمال ودعوات للانفصال في الجنوب، وبين قتال الحوثيين على حدود السعودية التي تخوض حرباً ضارية ضدهم، وتزايد وجود «القاعدة» التي تحاول أن تجد في جبال اليمن منطلقاً لها تعيث منه فساداً في المنطقة كلها.

في بداية العام كنا نتحدث عن فريق للممانعة وفريق للاعتدال، ومع نهايته نجد أنه لا أحد يمانع، ولا أحد يفاوض، ولا مجال للحديث عن «فريق» هنا أو هناك! غاب الموقف الاستراتيجي الذي يجمع الكل دفاعاً عن المصالح العربية، وانشغل كل قطر أو تم جره للانشغال بما يواجهه من مشاكل.. ولا يمنع ذلك من أن هناك محاولات مستمرة للتنسيق بين أطراف عربية في قضايا عديدة، ولكنها ما زالت في إطار «المحاولات«، وما زالت في دائرة «التنسيق»..

بينما المطلوب أكثر من ذلك بكثير، إذا أردنا مواجهة التحديات الهائلة في وقت تدخل فيه المنطقة منعطفاً حاسما، ويتم فيه تقرير مصيرها لعقود طويلة، بالحرب أو بالصفقات التي ستكون حتماً على حساب العرب إذا استمروا فيما هم فيه. ومع ذلك فإن عام خيبات الأمل، التي وصلت لحد تحويل مباراة للكرة إلى مشروع للفتنة بين قطرين عربيين بحجم مصر والجزائر، ينتهي بالإقرار الكامل بحقائق لم يعد ممكناً الاستمرار في التعامي عن رؤيتها أو تجاهل التعامل معها:

هناك إدراك كامل لأن أفق السلام مع إسرائيل مسدود في ظل سيطرة اليمن الإسرائيلي، وفي ظل اختلال التوازن في القوى مع العرب، وفي ظل العجز الأميركي عن اتخاذ موقف متوازن (رغم جهود أوباما)، بفعل سيطرة اللوبي الصهيوني على القرار الأميركي، وفي ظل الإحساس بأن العرب ليس في يدهم ما يفعلونه للمصالح الأميركية سلباً أو إيجاباً!

وهناك حقيقة أنه لا يوجد قطر عربي واحد بعيد عن المخاطر التي تجتاح المنطقة، ولا يوجد قطر عربي قادر وحده على مواجهة هذه المخاطر التي لن يوقفها تحالف قطر عربي مع طرف خارجي، لأن الأطراف الخارجية لن يهمها في النهاية إلا مصالحها، ولأن الطرف العربي هنا هو الأضعف في لعبة المصالح التي تديرها القوى الأكبر.

وهناك حقيقة أننا، رغم كل الإمكانيات الهائلة التي نملكها، أصبحنا نلعب في دوري الدرجة الثانية او الثالثة في المنطقة، وأننا بدون استراتيجية موحدة للأمن القومي لن نتمكن من استعادة دورنا الحاسم في تقرير مصير المنطقة، وسنترك القوى العالمية تقرر ذلك ـ بالحرب أو بالصفقات ـ مع القوى الإقليمية الأخرى التي تلعب على الأرض العربية، بعضها ـ كإسرائيل ـ من موقف العداء، وبعضها ـ كإيران وتركيا ـ من منطلق كسب النفوذ وامتلاك الأوراق في لعبة المصالح.

انتهي عام من خيبات الأمل، لكن القادم أخطر إذا لم نستوعب الدر س جيداً ونبني، على وجه السرعة، التوافق العربي على استراتيجية العمل المشترك للأمن القومي بمعناه الواسع الشامل. القادم أخطر، إذا تركنا العراق لنفوذ إيران وتجاذبات تركيا وحروب الطوائف، وإذا تركنا السودان يتحلل، وإذا التهمت الحروب الأهلية وحدة اليمن، وإذا اكتفينا بتوجيه الأسئلة حول أطماع الآخرين، دون أن نسأل أنفسنا عما فعلناه ولم نفعله لبناء القوة العربية القادرة على أن تقرر مصيرها بنفسها.

وتمنع تدخل الآخرين في شؤونها، وتمتلك القدرة على استعادة الحقوق بكل الطرق المشروعة، وتقيم الحوار المتكافئ مع دول الجوار لحل المشاكل المعلقة مع إيران (وفي مقدمتها قضية الجزر الإماراتية المحتلة)، وتنسيق المواقف معها ومع تركيا على قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية، ثم الانطلاق لإقرار السلام العادل في المنطقة من موقع القوة.

انتهى عام من خيبات الأمل، والقادم أخطر في عام سيكون حاسماً في تقرير مستقبل المنطقة. ولعلنا استوعبنا الدرس، ولعلنا نكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات، ولعلنا نؤكد مرة أخرى حقيقة أننا أمة تعطي أفضل ما عندها حين تواجه الخطر.. وما أكثر الأخطار التي نواجهها!

كاتب مصري