لك الله يا غزة العرب، ولنا الصبر والسلوان..
عندما يتحرك البنان مسطرا كلمته الأولى عنك، يرتعش القلب وتنسكب العبرة، وحق لها أن تنسكب، لعلها تطفئ بعض لهيب نار يكوي الصدر قهرا على قلة حيلة وانعدام وسيلة.. فقد طغى المحتل وتمادى، وفقد الجار وده وصمت من وجبت عليه كلمة حق في هذا المقام، كلمة حق لنصرة أطفال تملكهم المرض، وشيوخ يتوسلون الدواء، ونساء لم يبق لهم غير ذكريات وبكاء مغموس بالصبر، بعد عام من مواجهة غير متكافئة مع عدوان لا آدمية عنده، بعد عام من صمود لم تخالجه لحظة انكسار أو دعة إلى سلام موهوم.
لك الله يا غزة، ولنا نواح الثكالى أمام هذا التقطيع القسري لشرايينك النابضة إباء وعزة.
حصار في إثر حصار، وتدمير يعلوه دمار، وتهديد ووعيد، وأنت تبدعين في فنون الاختراق وتكتبين روايات الإعجاز، بحروف ثابتة محفورة على صخرة الصامدين القابضين على جمر الصبر المر، ولو اشتد الطوق وتحول فولاذا أو نارا أو جحيما مما يمكرون. وعناد «الغزازوة» سمعنا عنه، لكننا الآن رأيناه متجليا في إيمان لم يخالطه كدر الهزيمة، ولم تسحبه سود الليالي إلى التوقيع على التفريط، وحتى النسمة الأخيرة صمود الأقوياء بالحق وبه يتشبثون.
لك الله يا غزة، ولنا أحلام المترفين، الآن عرفت لم تمن الهالك اسحق رابين أن يصحو من نومه فيراك غارقة في البحر.. وكثر هم من تساورهم هذه الأيام أمنية رابين، لعلهم ينامون ملء جفونهم بعد غسل أيديهم من جرم فاعله معلوم، ولكن أنى لهم ذلك، وأنت شوكة لها ثبات الجبال الراسيات وسطوع الشمس في رابعة النهار! الآن عرفنا لم وصف الراحل عرفات شعبك بالجبارين شاء من شاء وأبى من أبى، لأنه عرف بحنكته المشهودة أن جيل الانتفاضة لن يحني الجباه إلا لخالقه، ومن واجه الدبابة بحجر، لهو أشد شكيمة عندما يحمل روحه على راحته ويلقي بها في مهاوي الردى.
لك الله يا غزة، ولنا الضعف والأحزان على مصابنا الجلل في لب نخوتنا التي تهاوت بفعل ضربات الغريب الجائر والقريب السافر، حتى لم يعد لنا من الأمر شيء غير التبرير والبحث عن أسباب واهية، لعلها تريحنا من عذاب ما تبقى لنا من ضمير في زمن أسكتت فيه الضمائر بشهوات عابرة أو رصاصات غادرة، وبقيت أنت يا غزة المكان الذي لم يتفتت ولم يقبل القسمة على ورثة الزور وشهود البهتان.
يقيننا يا غزة أن التاريخ كتبك في سجل الخالدين، وبعد عام من العدوان ما زال صمودك حاضرا ينبئ أولي العزم بدنو الفجر وإن طال سواد الليل، فإنها عند المرابطين صبر ساعة.
