على ما يبدو فإن الأوروبيين الذين جمعهم اتحادهم بقوة وربط بين مصالحهم ووحد أهدافهم، للدرجة التي أصبح من المتوقع معها أن يتحول هذا الاتحاد إلى دولة واحدة، قد باتوا يعيدون النظر بجدية في مسألة أمنهم القومي المشترك،

وهي المسألة التي لم تكن تحظى بأي اهتمام على مدى أكثر من خمسة عقود، منذ اتفاقية روما عام 1957. فقد كان الأمن الأوروبي خلال هذه الفترة مسؤولية جهة أ

خرى، هي حلف شمال الأطلسي «الناتو» الذي يضم مع الأوروبيين الولايات المتحدة وكندا، وهو الحلف الذي أسسته واشنطن وفرضته على باقي الدول، بعد أن أوهمت الأوروبيين بوجود خطر حقيقي عليهم قادم من المعسكر الشيوعي، في الوقت الذي كانت تستخدم واشنطن الحلف لخدمة مصالحها واستراتيجياتها الخاصة. وقد اعترض الأوروبيون أكثر من مرة على هذا الأمر، وانسحبت فرنسا من قيادة الحلف، وهددت بالانسحاب منه كليا اعتراضا على سياسة الهيمنة الأميركية عليه.

الآن يظهر سؤال الأمن الأوروبي على الساحة من جديد، في إطار أوروبي بحت مستقل عن حلف الناتو، حيث أعلن مؤخرا وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني أن بلاده ستقدم اقتراحا إلى قادة دول الاتحاد الأوروبي، يدعو إلى إنشاء جيش أوروبي موحد، وقد صدرت دعوة من هذا القبيل لأول مرة في ديسمبر 1999، حين وقعت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا على وثيقة إنشاء قوات مشتركة تعمل كبديل لحلف «الناتو».

وكانت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قد أكدت من قبل على وجود فكرة إنشاء الجيش الأوروبي الموحد في عام 2007. ثم دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عام 2008، إلى إنشاء هيئة لإدارة عمليات الاتحاد الأوروبي العسكرية خارج الاتحاد الأوروبي. ولم تدخل فكرة الجيش الأوروبي الموحد إلى حيز الوجود حتى الآن، إلا أن وزير الخارجية الإيطالي فراتيني يرى أن التطورات التي تشهدها الساحة الدولية، وبالأخص احتمال دخول الولايات المتحدة الأميركية في محاور ثنائية خارج نطاق ضفتي الأطلسي، ربما مع الصين أو غيرها، تستوجب الإسراع في إيجاد جيش أوروبي موحد.

ويرى البعض أن إنشاء الجيش الأوروبي الموحد يمثل مرحلة من مراحل مسيرة التكامل الأوروبي، وأن توقيع معاهدة لشبونة يمثل خطوة جديدة على طريق إقامة الدولة الموحدة في مكان الاتحاد الأوروبي. ولا شك أن الدولة الموحدة يعوزها الجيش الموحد، ولا شك أيضا أن القوات الأوروبية الموحدة المزمع إنشاؤها ستحل محل حلف شمال الأطلسي، لأن الأوروبيين لا يستطيعون تغطية نفقات «مؤسستين عسكريتين في آن واحد».

من المؤكد أن فكرة الجيش الأوروبي الموحد لا تروق من بعيد أو قريب لواشنطن، التي تشعر بعد إطلاق حملتها على الإرهاب الدولي عام 2001 أن الأوروبيين لم تعد تروق لهم الشراكة الأمنية الأطلسية، وقد انعكس هذا بوضوح على الاعتراضات الواضحة من القيادات الأوروبية الكبيرة، أو «العجوزة» على حد وصف وزير الدفاع الأميركي السابق رامسفيلد، على غزو العراق وعلى العمليات العسكرية في أفغانستان.

كما باتت واشنطن على قناعة تامة بوجود دور خفي لروسيا في تنشيط فكرة انفصال الأمن الأوروبي عن الولايات المتحدة، وانعكس هذا بوضوح في تدخل روسيا باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أوروبا في مسألة هيكلة الأمن الأوروبي من جديد. وقد أعلن الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا، منذ أيام أن الاتحاد الأوروبي مهتم بمناقشة المقترحات الروسية حول الهيكلية الجديدة للأمن الأوروبي العام.

لا شك أن تخوفات واشنطن لها ما يبررها، خاصة في ظل النشاط الواضح لروسيا في القارة الأوروبية، وخطوط مصادر الطاقة الروسية التي أصبحت تمتد في كل أوروبا حتى اقتربت من الشاطئ الشرقي للأطلسي، وباتت حتى بريطانيا حليفة واشنطن الأولى تطمح لنيل نصيبها منها.

ولكن، هل ستصمت واشنطن وتغض الطرف عن محاولات روسيا وبعض الدول الأوروبية الكبرى إزاحتها من أوروبا؟

ربما تصعب الإجابة عن هذا السؤال، في ظل الظروف الاقتصادية والعسكرية التي تمر بها الولايات المتحدة الآن.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail