لا أخفي عن القارئ الكريم أن التقارير الصحافية، التي أكدت أن الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر قد وجه اعتذارا لليهود، كان لها وقع المفاجأة. وكالعادة رفضت الاعتماد على ما نشر منسوبا إلى كارتر، حتى أقرأ بنفسى نص ما قاله كاملا لئلا يكون كلامه قد اقتطع من سياقه. ولكنني حين عدت للخطاب المفتوح الذي كان كارتر قد أرسله لوكالة الأنباء اليهودية، لم تزُل دهشتي. فقد طلب كارتر فعلا «الصفح»، مستخدما تعبيرا يهوديا يشير لصلاة الغفران التي تؤدى في يوم كيبور.

فقد قال كارتر نصا إنه «حتى ونحن نكافح إيجابيا من أجل مساعدة إسرائيل على تحسين علاقتها بسكانها العرب، فإن علينا أن نعترف بإنجازاتها في ظل ظروف صعبة. ويتحتم علينا ألا نسمح لانتقاداتنا من أجل الإصلاح، أن تلوث سمعة إسرائيل»، ثم أردف طالبا الصفح عن «أية كلمات أو أفعال بدرت مني قد تكون قد أدت لذلك». ثم في حوار له مع وكالة الأنباء اليهودية، قال كارتر إنه في عنوان كتابه «سلام لا أبارتيد» لم يكن يقصد أن يقول إن إسرائيل دولة فصل عنصري.

فهو سعى في العنوان لدمج معنيين في عبارة واحدة، على حد تعبيره، المعنى الأول أن الضفة الغربية لا بد أن تكون جزءا من فلسطين، والثاني هو أن الامتناع عن تحقيق ذلك من شأنه أن يؤدي بإسرائيل لأن تصبح دولة أبارتيد. أي أن لفظ الأبارتيد كان إذن «تحذيرا» لما قد يحدث في المستقبل، «لا وصفا للوضع الحالي»!

ووجه المفاجأة في ما قاله كارتر، هو أن الرجل منذ أن نشر كتابه سالف الذكر قبل سنوات ثلاث، يتعرض لعاصفة شرسة من الانتقادات والهجوم داخل إسرائيل وخارجها، وصلت لاتهامه من جانب البعض بأنه معاد للسامية أو على أقل تقدير أنه «أشرف على معاداة السامية»، على حد تعبير أبراهام فوكسمان مدير رابطة مكافحة التشهير اليهودية الأميركية.

وكان لاستخدام كارتر تعبير الأبارتيد، أي الفصل العنصري، بالقطع وقع الصدمة على الكثيرين، وسببا رئيسيا وراء شراسة الانتقادات. لكن الطين ازداد بلة حين أدلى كارتر بعد صدور الكتاب، بتصريحات قال فيها إن قوة لوبي إسرائيل في واشنطن تعرقل الجهود الرامية للسلام.

وقد أدى ذلك لحملة انتقادات واسعة طالت حتى مركز كارتر نفسه، الذي شهد استقالات جماعية من عدد من اليهود الذين عملوا فيه. حدث ذلك كله في حينه، ولم يتزحزح كارتر قيد أنملة عن موقفه. ومن هنا كانت المفاجأة، فما الذي دفع كارتر بعد ثلاثة أعوام كاملة للاعتذار؟ ولماذا الآن على وجه التحديد؟

الحقيقة أن بعض التقارير الصحفية أشارت إلى سبب بعينه، بينما رجحت أخرى سببا آخر. أما السبب الأول الأكثر ذيوعا، فهو أن حفيد كارتر ينوي ترشيح نفسه لتولي مقعد في المجلس المحلي لولاية جورجيا، وهو المقعد الذي قد يشغر إذا ما وافق مجلس الشيوخ الأميركي على ترشيح أوباما لشاغله ديفيد أدلمان لتولي منصب سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى سنغافورة. ولأن أدلمان يهودي، فضلا عن الحضور القوي لليهود الأميركيين في الدائرة المعنية، فقد رجح الكثير من الصحف أن يكون خطاب الاعتذار الذي كتبه كارتر، قد كتب بدافع تجنيب حفيده صعوبات في حملته الانتخابية.

لكن في حوار له مع وكالة الأنباء اليهودية، أشار كارتر إلى أن ترشيح حفيده لم يكن وحده كافيا لأن يرسل مثل ذلك الخطاب. وأضاف مداعبا محاوره، أن عدد اليهود في الدائرة لا يتعدى 2%. لكن كما ترى، عزيزي القارئ، فإن ما قاله كارتر لم ينف أن يكون ترشيح حفيده واحدا ضمن أسباب متعددة.

أما السبب الثاني الذي ذكرته الصحف، فكان أن الخطاب الاعتذاري كان نتاج النقاشات التي دارت عبر فترة زمنية طويلة، بين كارتر وعدد من أصدقائه اليهود الذين حثوه على رأب الصدع بينه وبين الجماعة اليهودية الأميركية.

لكن حتى تكشف الأيام عن السبب الحقيقي، يظل من المهم الانتباه إلى أن ما أعلن من أسباب حتى الآن له دلالته المهمة. فهناك قاسم مشترك بين السببين، وهو قوة تأثير الجماعة اليهودية الأميركية. وقوة التأثير التي أقصدها، تذهب لما هو أبعد من التأثير السياسي المنظم. فالتأثير الأهم للجماعة اليهودية، هو تأثيرها الإيجابي على المستوى المجتمعي، والذي يمثل المصدر الأساسي لأي تأثير سياسي. فكارتر يستمع لنصائح أصدقائه من اليهود الأميركيين، لأن هؤلاء الأصدقاء بينهم وبينه مشتركات كثيرة فكرية وسياسية لا علاقة لها بقضية إسرائيل.

والمؤكد أنهم اشتركوا معه في تبني مشروعات سياسية عدة وخدمة قضايا مختلفة. بعبارة أخرى، بغض النظر عن اعتذار كارتر، فإن الوقائع تظل بمثابة تذكير لنا بضرورة الوقوف على الأسباب الحقيقية لتأثير اليهود الأميركيين، والكف عن إنتاج الصور النمطية السلبية لهم.

فقوة اليهود في أميركا لا تنبع من قوتهم التصويتية ولا قدرتهم الفذة على تمويل الحملات الانتخابية، والتي يحتاجها بلا شك حفيد كارتر في حملته. فتلك هي في الواقع من تجليات نفوذ اليهود، لا مصدر نفوذهم. فالمصدر الحقيقى هو دورهم الإيجابي على المستوى المحلي في القرى والمدن، في خدمة قضايا تهم غيرهم من المواطنين.

ففضلا عن أن اليهود الأميركيين شاركوا على المستوى القومي في خدمة الكثير من القضايا النبيلة، بدءا بحركة الحقوق المدنية ومرورا بحركة العمال ووصولا لحركة البيئة ومناهضة الحرب، فإنهم، وهو الأهم، يشاركون على المستوى المحلي بأموال ضخمة وبالعمل التطوعي لخدمة قضايا مجتمعية تخدم عموم الناس لا اليهود وحدهم.

تلك الصورة الإيجابية لليهودي الأميركي في العقل الجمعي الأميركي، هي التي تسمح بنفوذ سياسي ضخم لا العكس، وهي التي تشكل في الواقع المناخ العام الذي يتم في إطاره مناقشة القضية الفلسطينية.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com