البيئة الطبيعية هي الأرض، والماء، والغطاء النباتي، والحيواني، والمناخ. وهي وديعة السلف للجيل الحاضر، وأمانة للخلف المستقبل.

وهي منظومة موزونة: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ)، وتوازن مكوناتها شرط لاستدامتها (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).

المخلوق الوحيد في هذه التركيبة غير المسير، هو الإنسان القابلة إرادته للخير والشر(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا).

وقد يكون الإنسان مصلحا في الأرض (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)، أي جعلكم عمارها. وقد يكون مفسدا فيها (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ).

سأتناول هنا نوعين من الإفساد: الأول متعلق بظاهرة الاحتباس الحراري والاستغلال النهم للموارد الطبيعية دون مراعاة لضوابط الاستدامة. والإفراز المفرط للغازات الدفيئة باستخدام الطاقة الأحفورية (الفحم، والنفط، والغاز).

الوعي بمشكلة التعامل غير المتزن مع البيئة، بدأ في العصر الحديث في مؤتمر استكلهوم عام 1972 ببرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ثم تصاعد مع ناقوس الخطر الذي أطلقه نادي روما في الثمانينات.

ثم اجتمعت الأسرة الدولية في ما سمي قمة الأرض عام 1992 في ريو دي جنيرو. ثم عقد في اليابان المؤتمر الذي أصدر بروتوكول كيوتو في 1997، والذي تمت المصادقة عليه في فبراير 2005، وبموجبه التزمت الدول الصناعية بخفض مستمر في إفراز الغازات الملوثة، وأهمها ثاني أكسيد الكربون بنسبة 5% سنويا، في الفترة من 2008 إلى 2012 عما كانت عليه سنة 1990.

وفي عام 2000 أصدرت الأسرة الدولية أهداف الألفية الجديدة بما فيها من أهداف تنموية، ومحاربة الفقر، وسلامة البيئة. وفي عام 2002 عقدت قمة الأرض الثانية في جوهانسبرغ وقيل عنها: ريو + 10 (أي ريو زائد عشرة أعوام). هذه المؤتمرات وما صدر عنها من توصيات، تمثل أماني غير مشفوعة بآليات متابعة، ولا مراقبة، ولا مساءلة. لذلك كان أثرها في الواقع متواضعا.

والآن دعت حكومة النرويج 192 دولة لمؤتمر هو الأضخم من حيث المظهر وعدد الرؤساء الذين حضروه (120)، فكان مظاهرة ضخمة، ظهرت فيها الحقائق الآتية:

• وجود تباين بين مواقف دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة.

• الدول الغنية، مع اعترافها بدورها في إفراز الغازات الدفيئة، غير مستعدة لعمل ما ينبغي عمله لخفضها بالنسبة المطلوبة، ولا لتعويض ضحايا الاحتباس الحراري ـ الذي سببوه فارتكبوا «إرهابا مناخيا» في حقهم ـ بالقدر المطلوب.

• الدول الفقيرة مع صحة قضيتها ووحدة صفها، لم تكن مستعدة بالقدر الكافي من المرافعة.

لذلك لم يتمكن المؤتمر كما ينبغي من إبرام معاهدة دولية ملزمة لأطرافها، بل اقتصر الأمر على إعلان يطالب الدول:

• بخفض انبعاث الغازات الدفيئة بنسبة 30% من مستواها في عام 1990 بحلول عام 2020.

• حصر مستوى الحرارة في العالم في درجتين زيادة على مستواها في الفترة قبل الصناعية، أي قبل ثلاثة قرون.

• إقرار مبدأ العدالة البيئية لمساعدة البلدان الفقيرة، وهي الأقل إفرازا للغازات الدفيئة والأكثر تضررا بأثرها، وتخصيص مبلغ 100 مليار دولار سنويا لمساعدتها بحلول عام 2020، على أن يشمل هذا برنامجا للدعم السريع يبدأ في الأعوام 2010 و2012 بمبلغ 30 مليارا لكامل الفترة.

• توجيه الاستثمارات نحو المشروعات الأقل اعتمادا على الطاقة المسببة للغازات الملوثة والأكثر اعتمادا على الطاقة النفطية.

• توجيه الأبحاث التكنولوجية للتحول نحو مستقبل يعتمد على الطاقة النظيفة.

هذه التوصيات كسابقاتها في الألفية الجديدة، وفي كيوتو، غير ملزمة وستبقى على مستوى العلاقات العامة، ما لم تتوافر إرادة سياسية في الدول الغنية تجعلها تواجه مسؤولياتها، وما لم تنشأ في العالم الفقير إرادة سياسية لمواجهة تداعيات الموقف بالحد من الآثار السالبة، والتكيف مع المتغيرات. والضغوط التي تفرض على الدول الغنية واجب: «من فتح الأبواب يغلقها، ومن أشعل النيران يطفئها».

إذا استمرت الأوضاع كما هي، فالمتوقع أن يستمر ذوبان الجليد في قطبي الأرض، وأن يرتفع بذلك منسوب المحيطات والبحار. وارتفاعها بمتر واحد فقط، سوف تختفي معه تحت البحر جزر كثيرة ودلتا مصر، ودلتا بنغلاديش ومناطق أخرى.

إن ما تقرر في كوبنهاجن، يعيبه أنه لم يمثل رؤية المشاركين كلهم، بل فرضه بعض الدول الغنية في آخر لحظة. وهي قرارات غير كافية لمواجهة فداحة الموقف، وغير ملزمة.

ذكرنا نوعين من الإفساد وفصلنا الحديث عن الأول. أما الثاني؛ فهو التعامل غير الرشيد مع الموارد المائية ومع التربة، مما ساهم في ظاهرة التصحر التي صارت تتمدد سنويا بمساحات كبيرة.

المياه العذبة محدودة وموزعة على العالم بطريقة غير موزونة، وحيثما وجدت فإن استغلالها فيه إسراف ذميم. التصحر هو تدهور الأرض في المناطق القاحلة وشبه القاحلة لعدة أسباب، بما في ذلك تباين المناخ (الجفاف)، وأنشطة الإنسان: الاحتطاب، الفلاحة العشوائية، والرعي الكثيف.

الدول الفقيرة في جنوب الكرة الأرضية لا تساهم بقدر يذكر في إفراز الغازات الدفيئة، وتساهم الدول الكبرى بالقدر الأكبر: أميركا (22.4%)، الصين (18.4%)، أوروبا (14.7%)، اليابان (13%)، والعالم العربي كله (4%).. وهكذا. الدول الأقل مساهمة في الاحتباس هي الأكثر عرضة لأضراره. لذلك ينبغي على الملوثين دعم ما ينبغي عمله للحد من الأضرار وللتأقلم مع الواقع الجديد.

إن مبلغ 100 مليار دولار قليل جدا، ولا يساوي شيئا بالنسبة لإمكانيات الدول الغنية التي ضخت في اقتصادها 8 تريليونات، لاحتواء أزمة التمويل والاستثمار التي تسبب فيها سوء إدارة النظام الرأسمالي عام 2008.

يبغي أن تتمسك الدول الفقيرة بمطالبها، وأن تضغط بشدة لتحقيق المطالب الآتية:

• تخضير المناطق القاحلة وشبه القاحلة بالغطاء النباتي والتوسع الغابي.

• ترشيد استخدام المياه، لاسيما في الري الزراعي.

• ترشيد الفلاحة والرعي.

• احتواء الاحتطاب والتحول نحو الطاقة النظيفة، سيما الشمسية، واتخاذ هدف أول: أن تكون كافة الأغراض المنزلية من تبريد، وتسخين، وإضاءة، وطبخ، بالطاقة الشمسية.

• الاستعداد لصد مياه البحار والمحيطات عن غمر المناطق المهددة، وتحضير الخطط لتسكين نازحي البيئة إن لزم.

• توجيه الأبحاث العلمية، وبناء القدرات، والتدريب، لتحقيق هذه الأهداف.

الدول الضحية مطالبة فورا بتحضير خطط قومية لتحقيق هذه الأهداف بإمكاناتها الذاتية، والتنسيق في ما بينها للعمل المشترك، ثم السعي بكل الوسائل من ضغط وإقناع، للحصول على الدعم المستحق. بل التعويض المستحق من العالم الغني. هكذا يكون الاستعداد لمؤتمر المكسيك في العام القادم.

رئيس وزراء السودان السابق

zakioffice@yahoo.com