احتلال إيران لبئر الفكة العراقي الحدودي يبدو أنه انتهى وسيصبح أثرا بعد عين دامت أياما قليلة، لكن لهذا التصرف دلالات رمزية لا يمكن تجاوزها دون رصد واعتبار دون الدخول في تفاصيل الحدث، ويبدو ان هذا البلد تعود على فعل خرق سيادته بعد الاحتلال الأميركي.
وعودة إلى رمزية الحدث حيث النقطة الأولى تبدأ من الاريحية الإيرانية في الدخول إلى الأراضي العراقية دون كثير حساب لردات الفعل، ومع قبول تبرير طهران بأنه تم عن طريق الخطأ يظل المحير إنزال العلم العراقي ورفع العلم الإيراني، هل تم كذلك سهوا؟ منطق العقل يرفض هذا الرأي ويتجه مباشرة حيث يكمن ضعف الدولة المركزية، التي تقع في نقطة اللاقدرة على حماية حدودها، خاصة مع دولة بحجم الجارة إيران.
الارتباك الذي شهدته بغداد بعد الحادث كان واضحا، بل أحرج الأصدقاء المقربين من طهران، وكان الوضع اقرب إلى الرجاء لكي تلم الجارة الموقف بسرعة وتنسحب حفاظا على ماء وجه البعض، وهي بالفعل كانت لحظة حرجة لحكومة المالكي، وقد طرحت سؤالا مهما عن مستقبل الموقف العراقي من مثل هذه الاختراقات في ضوء اختلال موازين القوى خاصة إذا أخرجنا القوات الأميركية من المعادلة.
العلاقات بين طهران وبغداد في حاجة إلى مراجعة من منطلق الاستفهام عن خطوط التداخل التي تجدها في جانب منها تصل حد الالتصاق الكلي نظرا لطبيعة أطياف الحكم، وفي جانبها الآخر قد تصل إلى حد الانفصال بعدما حدث بين الدولتين طوال السنوات الماضية من حرب أثرت في روح المنطقة وقيمها، كما غيرت شكل أحداثها وتبعاته، وبينهما تقع حالة الوسط التي تدعو إلى احترام كل طرف لسيادة الآخر. وهذه مسألة مشكوك فيها على الاقل من الجانب الإيراني الذي يمتلك كل العناصر التي تؤهله لكي يقول كلمته في العراق.
إذا لم نرد المبالغة في ترديد مقولة ان واشنطن قدمت العراق على طبق من ذهب إلى الطموح الإيراني السياسي والمذهبي، فمن باب المنطق الاعتراف بأن طهران تمتلك الكثير جدا من أوراق اللعبة الميدانية في ارض الرافدين، وهو يفسر إلى حد بعيد التعامل الإيراني الهادئ مع هذا الملف الذي يمكن التدخل فيه تهدئة أو تصعيدا نظرا لامتلاك حصة الأسد في ساحته المنهوبة من أكثر من طرف. حدث «الفكة» عابر، وأخبار العراق أكثر من ان يستوقفها دخول مؤقت إلى أراضيها، لكن عين الحدث تقول أكثر من ذلك، ومادامت الكعكة مبسوطة على الطاولة، فلا غضاضة أن يمد المشتهون القادرون صحونهم وسكاكينهم لكي يأخذوا حصتهم ولو بعد حين.
