كان جيلنا قبل أربعة عقود يحلم بوطن كبير، حر وديمقراطي ومستقل تماما في كل المجالات السياسية والاقتصادية، وناهض ماديا وروحيا، بعد أن هزم الصهيونية والاستعمار الجديد.
وكانت الأناشيد وقصائد الشعر الجديد وخطب الزعماء والقادة السياسيين، تبشرنا بأننا سوف نمسك الشمس بعد لحظات بأيدينا. والآن نحن نعيش ذلك المستقبل الذي كنا نحلم به، فقد تحول إلى كابوس مخيف. ولم يعد الغد محمّلا بالوعود والآمال والدهشة، إذ يبدو أننا تركنا مستقبلنا خلفنا.
ومن يتأمل بعقل، العالم العربي بعد عقد في القرن الحادي والعشرين، ويقارن كيف يتحرك الآخرون من حولنا، سوف يقتله الهم والخيبة والخذلان. الصورة اليوم ونحن نستقبل العام الجديد، قاتمة ومخيفة بلا مبالغة أو تشاؤم. فالعرب يعيشون الآن ـ كما قال البعض ـ خارج التاريخ. والفوات التاريخي واضح، فالزمن العربي يكاد أن يكون قد توقف في القرن الخامس عشر الميلادي.
فالتقارير الدولية والإقليمية تعرض تخلفا وفشلا في كل مجالات الحياة والتنمية، وتضع العرب دائما في ذيل القوائم. وحين تكون التقارير عن الفساد والأمية وانتهاك حقوق الإنسان، يأتي العرب في المقدمة، والأوائل بلا منازع، حتى من أميركا اللاتينية والمعسكر الاشتراكي السابق!
يستقبل العرب العام الجديد بسجل مخجل في مجالين هما شرط التقدم والنهضة، أعني: الحرية، والمعرفة. ومع غياب الحرية وضعف المعرفة، يتجه أغلب الدول العربية نحو اكتساب صفة الدولة الفاشلة. والمقصود بذلك، أن الدولة عاجزة عن فرض سيطرتها على كامل ترابها الوطني. بسبب الخلافات الداخلية والاحتراب الأهلي. وهذا الفشل نتيجة للعجز عن تكوين الدولة الوطنية من خلال المشاركة العادلة في السلطة السياسية والثروة.
ومن المنطقي أن تنحسر الدعوة للوحدة العربية، طالما فشلت غالبية الدول العربية في بناء دولتها القطرية الموحدة. وتعاني دول عربية أخرى من طائفية ومذهبية وصراعات إثنية كامنة يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
ومن أخطر ما يواجه الدول العربية، أنه مع غياب الحريات والتعددية السياسية، يعبر عن كل أنواع الخلافات باعتبارها نزاعات دينية أو إثنية أو عرقية، لأنه مع القمع السياسي يعود المواطنون إلى بعث خلافات ومرجعيات عتيقة وبدائية، كان يفترض أن تنقرض لو كان تطور العرب السياسي والاجتماعي طبيعيا. وهذه أخطار ماثلة تنفجر بالتأكيد مع ظهور الأزمات.
والمظهر الآخر لفشل الدولة العربية، هو فقدانها للشرعية الدستورية والشعبية. فأغلب الحكام العرب لم يصلوا إلى السلطة عن طريق انتخابات حرة ونزيهة. وما زالت أكثرية الدول العربية لا تعرف التداول السلمي للسلطة، ولا تنتهي ولاية الحاكم إلا بالموت غدرا أو قدرا، كما هو منذ عهد المماليك..
وهذا أحد أسباب الحرب الداخلية الأخرى بين الحكام والجماعات الدينية المتطرفة، خاصة القطبية (نسبة إلى سيد قطب)، فهي ـ حسب عقيدتها ـ تحارب جاهلية القرن العشرين وحكم الطاغوت الذي يمثله رؤساء وملوك لا يحكمون بما أنزل الله. وهذا انقسام آخر للدولة القطرية الضعيفة أصلا، فالمتطرفون يقسمون البلاد إلى فسطاطين أو حزبين: حزب الله، مقابل حزب الشيطان.
وهذا الرأي لا يسود فقط بين الذين يحملون السلاح أو يلجأون إلى العنف، ولكنه منتشر بين الكثيرين لعدم اقتناعهم بحق المواطنة، بل يقسّمون أبناء الوطن الواحد حسب العقيدة الدينية.
وهكذا يتمزق النسيج الاجتماعي في كل الدول العربية بطرق مختلفة، فهي لم تنجح في تحويل التنوع الثقافي والديني والإثني الذي تعيشه إلى ميزة وإضافة. ويعود ذلك إلى غياب الديمقراطية وعدم كفالة الحقوق للجميع، لكي يعبروا عن اختلافاتهم التي غالبا ما تقمع وتصنف ضمن مؤامرات تسعى لإضعاف الدولة وإحداث الفرقة في المجتمع.
أما الملمح الثاني للفوات التاريخي وبالتالي للتخلف العام، فقد تجلى في الضعف المعرفي. وتشمل المعرفة مستويات التعليم والثقافة والتقدم في العلوم والتكنولوجيا. فقد شهدت الدول العربية انتشارا وتوسعا كميا في عدد المدارس والجامعات والمعاهد العليا، ولكن صاحب ذلك التوسع الكمي تدنٍّ مريع في نوعية ومستوى التعليم في كل المراحل.
ففي كل التقارير الخاصة بتقييم الجامعات في العالم، خلت المواقع الخمسمائة الأولى من أي جامعة عربية. وسحبت بعض الجامعات الأوربية اعترافها بالشهادات العربية بالذات، من بعض كليات الطب العربية. وتضرر التعليم فوق الجامعي من التضخم في منح درجات الماجستير والدكتوراه، وتوزيع الألقاب العلمية دون ضوابط.
ومن ناحية أخرى، لا تعرف جامعاتنا البراءة العلمية والسبق في الاكتشاف، إذ لا يوجد أي اهتمام بالبحث العلمي، والذي يحظى بأضعف نصيب في الميزانيات العربية مقارنة بمنصرفات الأمن والدفاع. ومن ناحية أخرى، عجزت كل الدول العربية عن محو الأمية، بل عرف كثير من الدول العربية ما يسمى بالارتداد إلى الأمية في الأرياف.
وهذه الظاهرة مرتبطة بغياب الخطط الثقافية التي تصل إلى الجماهير وعامة الناس، خاصة البعيدين عن الحواضر. وقد كشفت تقارير التنمية الإنسانية العربية في السنوات الأخيرة، التدني الهائل في عدد الإصدارت والمطبوعات والكتب المترجمة في الدول العربية.
كما ظهرت مؤخرا قلة وصول العرب إلى الانترنت، ومع ذلك يقوم بعض الدول بمراقبة المواقع وإغلاقها في بعض الأحيان. ومن الظواهر الداعية للاستغراب، أنه مع ازدياد عدد المتعلمين والخريجين، تناقص حجم توزيع الصحف والمجلات، إذ ان نسبة توزيع الصحف في ستينات القرن الماضي هي أعلى من الوقت الحاضر.
ومن المظاهر المهددة لأي مستقبل أفضل في العالم العربي، التمادي في هدر الإمكانات البشرية والمادية. فالدول العربية رغم غنى مواردها الفعلية والممكنة، إلا أنها فقيرة في عدالتها وإنتاجيتها.
فقد أوضح آخر الإحصائيات أن 50% إلى 70% من السكان في معظم الدول العربية، يعيشون تحت خط الفقر. والظاهرة الاخطر هي تفشي العطالة أو التعطيل بين الشباب والخريجين. فالدولة لا تربط بين نوع التعليم والتشغيل أو ما الذي تحتاجه خطط التنمية من عمالة؟
وهذا يأتي ضمن خيار الدول العربية «للاقتصاد الحر»، وبالتالي وجدت مبررا لكي ترفع يدها عن كل الخدمات وتلبية الحاجات الأساسية للمواطنين، مقلدة أسوأ ما في الرأسمالية العالمية، ومتجاهلة بعض محاسنها وأهمها الحرية والمحاسبة. هذا هو العالم العربي في مطلع عام 2010، وهي سنة مليئة بكثير من الاستحقاقات الحاسمة والمصيرية، ولا يبدو أن العالم العربي مستعد لها.. فالغفلة ما زالت هي الحاكمة، واللامبالاة هي السائدة.
كاتب سوداني
