منذ انبثاق فجر اتفاق أوسلو الموقّع في واشنطن عام 1994، خضعت السلطة الفلسطينية بكامل قواها تقريباً للضغوط الخارجية. السلطة الوليدة تسير بشكل مثير للجدل، في حالة ما يُعرف بـ «وضع خاص» بها وبالقضية التي تمثلها.

في حينه وفيما بعد، هي ـ أي السلطة ـ بحاجة إلى دعم في كل اتجاه أو باب تطرقه، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، مالياً وإدارياً وحتى ثقافياً وتعليمياً. بات هنالك فراغ يمكن ملؤه من قبل أية قوة إقليمية أو دولية، أو مجموعة منها.

في وضعها العام، السلطة الفلسطينية هي من أكثر الكيانات السياسية الدولية ضعفاً وحاجةً للغير وقابليةً للتحكّم، من قبل العدو والصديق. إسرائيلياً بسبب بقاء الاحتلال جاثماً على صدور الفلسطينيين. إقليمياً وعربياً، فالدول المجاورة والشقيقة لفلسطين تتدخل في شؤون السلطة ولمآرب مختلفة.

الولايات المتحدة في عالم أحادي القطبية، هي من أكثر الدول قدرة على التدخل والتأثير، في السلطة والمنطقة والعالم. التحالف والشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة، تجعل الأخيرة هي من يقرر عملياً كيف تتصرف الأولى حيال كافة الأمور.

تشترك القوتان المسيطرتان إقليمياً ودولياً، في إحكام الحصار على المناطق والكتل البشرية التي يضمها نفوذ السلطة الفلسطينية. حصار يجري بالذات على مواطني قطاع غزة والضفة الغربية والعرب في القدس المحتلة.

الحصار الاقتصادي المُحكم، تارة ضد حركة حماس وتارة ضد الإرهاب أو الاثنين معاً، يضعف السلطة والشعب الفلسطينيين. ذلك ما يجعل السلطة معرضة لأي تدخل في شؤونها. الأحداث تجري وفق شبه أجندة، يمكن أن يطلق عليها «المساعدة الخارجية مقابل السيادة الوطنية».

أكثر أنواع التدخل شبهةً وإثارةً للجدل، هو الذي يتم عبر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وعملائها ذوي السمعة السيئة، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها.

أول ما يتبادر للمرء عند ذكر «السي آي إيه»، هو السجون السرية والاغتيالات والتعذيب والمساهمة في زعزعة استقرار الأنظمة والدول، خاصة التي تحاول أن تنأى بأنفسها عن السير في فلك السياسة الأميركية. للولايات المتحدة أكبر سجل في انتهاك حقوق الإنسان وسيادة الدول والكيانات المستقلة وغير المستقلة.

الأجهزة الأمنية الفلسطينية تخضع بصورة مباشرة للإدارة والتحكّم والسيطرة الأمنية الاستخبارية الأميركية. في هذا السياق فإن «السي آي إيه»، هي الذراع الأقوى والأطول والأكثر استفزازاً وقدرةً على إثارة المشاكل والأزمات. يجري ذلك بشكل مبرمج مبيّت معلن عنه، أو بشكل سري عشوائي، تكشفه وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى ولو بشكل خجول.

لم تُفاجِئ صحيفة «الفيجارو» الفرنسية العالم، عندما بثت تقريراً موثّقاً عن أنشطة مشبوهة تختص باستجواب وتعذيب ناشطين فلسطينيين في سجون ومراكز اعتقال السلطة. بعض ضباط الأمن الفلسطيني، والحال هذه، يعملون كمساعدين على شكل مترجمين أو حتى مشاركين في وسائل ووقائع التعذيب.

وهذه طريقة قديمة حديثة ومثيرة للجدل حول دور «السي آي إيه» في علاقتها مع هذه السلطة، التي أُريد لها أن تبقى عالة على الغير، وحتى إشعار آخر.

لكن هل هذا يدعم السلطة الفلسطينية أو يحط من قيمتها، بل ويحطمها إعلامياً وسياسياً؟! ذلك ما يجعلها الطرف الأقل شعبية لدى الشعب الفلسطيني، والأضعف في مواجهة انتخابات عامة أمام القوى المعارضة للعملية السياسية.

ثم هل يأتي هذا الكشف عن تورّط «السي آي إيه» لتقوية التيار الفلسطيني المتشدد، دعماً لتوجهات التيار الإسرائيلي المتشدد بزعامة أركان الحكومة الحالية المشهود لهم بالتطرف العنصري والسياسي؟

أم هل تريد الإدارة الأميركية زيادة تشويه سمعة السلطة في الطريق إلى التخلص منها، كآخر موقع من مواقع السيادة السياسية الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي؟!

الإعلان عن اشتراك عملاء «السي آي إيه» بهذا الشكل، ليس غريباً على الدول التي تسمح بتواجد أمني أميركي في كيانها وداخل أجهزتها الأمنية، حتى لو أخذ شكل مهمة تدريب للقوى الأمنية.

لكنه قد يكون عبر اتفاقيات سرية، تُعقد لغرض زيادة التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات التي تمس أمن الأطراف المختلفة. فالسلطة الوطنية الفلسطينية بشكلها الهش الحالي، والمستقبلي بحاجة حيوية ماسّة إلى كل هذا وذاك.

قسم العلوم السياسية ـ جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae