يشهد للرئيس الغيني الراحل أحمد شيخوتوري، موقفه الرافض للاستفتاء حول دستور الجمهورية الخامسة في عهد الجنرال ديغول، وكذلك للمشروع الذي اقترحته فرنسا، ويقضي بتأسيس رابطة تبقي علاقة فرنسا بمستعمراتها الإفريقية، في 28 سبتمبر 1958.

وكان من نتائج هذا الموقف الوطني الراديكالي الرافض للاستعمار الفرنسي، أن أعلن شيخوتوري استقلال غينيا، فدخل بذلك التاريخ من بابه الواسع.

غير أن تاريخ حكم الأب المؤسس لغينيا أحمد شيخوتوري اتسم بتكريس دكتاتورية عسكرية، إلى أن وافته المنية في 3 إبريل 1984، حيث استلم من بعده الجنرال لانسانا كونتيه الحكم في كوناكري، إذ حظي حكمه بدعم من فرنسا والولايات المتحدة، رغم احتقاره لمبادئ حقوق الإنسان، فضلاً عن أنه حول غينيا «لؤلؤة إفريقيا» إلى مدينة ملاهٍ للشركات متعددة الجنسيات، في غضون ربع قرن، حسب قول الصحافي الفرنسي جيل نيفيه في صحيفة لوموند ديبلوماتيك (نوفمبر 2009).

بيد أن التاريخ غالباً ما ينتهي إلى مأساة، لا سيما في البلدان الإفريقية التي خضعت لنظام الحزب الواحد واغتصب العسكر السلطة فيها، وهذا ما حصل في العيد الوطني لغينيا يوم 28 سبتمبر 2009.

حيث ارتكبت القوات العسكرية الغينية مجزرة دموية، عندما فتحت النار على حوالي 50 ألف متظاهر اقتحموا مجمعاً رياضياً في العاصمة كوناكري، بعدما رفضت السماح لهم بالتجمع احتجاجاً على ترشح حاكم البلاد النقيب موسى داديس كامارا، الذي نجح في الاستيلاء على السلطة في انقلاب عسكري عقب وفاة الرئيس السابق لانسانا كونتيه في 22 ديسمبر 2008، للانتخابات الرئاسية في يناير 2010، موقعة ما لا يقل عن 157 قتيلاً و1253 جريحا.

أسهمت هذه المجزرة الرهيبة في عزلة المجموعة العسكرية الحاكمة في كوناكري بقيادة النقيب كامارا، والتي دفعت الجيش الغيني للقيام بأعمال وحشية ضد أنصار المعارضة، وهذا ما أثار ردود أفعال غاضبة ومستنكرة من جانب الدول الغربية. فالتف داديس كامارا على نواة صلبة من مناصريه، غالبا ما كانوا من المجموعة الإثنية التي ينحدر منها هو، وهي طائفة غينيا الحرجية التي تشكل 7% من سكان غينيا البالغ عددهم 10 ملايين نسمة.

ورغم أن المقدم كامارا وعد قوى المعارضة بأن فترة حكمه انتقالية، على أساس أن تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية «حرة وشفافة تتمتع بالمصداقية» في نهاية 2009، فإنه نكث بوعده بعد أن ذاق طعم السلطة، وتحول إلى مدافع عن نظام طبقة العسكر الحاكمة التي تدعمه، وهي المسؤولة عن استنزاف خيرات غينيا وعن انتشار الفساد وتجارة المخدرات.

وتمتلك غينيا الاحتياطات الأولى في العالم من مادة البوكسيت، إضافة إلى مناجم ضخمة لاستخراج الحديد والذهب والألماس، وفوق كل ذلك، هناك النفط، واليورانيوم، والخشب. ومع كل الثراء هذا، فإن مؤشر التنمية البشرية الذي وضعه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يصنف غينيا بأنها من أفقر بلدان العالم، إذ تحتل المرتبة 170 من أصل 272 دولة.

في 21 ديسمبر الجاري نشرت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، تقريراً حول المجزرة التي ارتكبتها القوات العسكرية الغينية في 28 سبتمبر الماضي، ولعبت فرنسا دورا مركزيا في تعبئة المجتمع الدولي ضد مرتكبي المجزرة. ويتهم تقرير الأمم المتحدة كامارا ووزيره المكلف بمكافحة الجريمة، مباشرة بالمسؤولية عن تلك المجزرة التي وصفها بأنها «جريمة ضد الإنسانية»، الأمر الذي يستوجب إحالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية.

وكان مركز ثقل الأزمة الغينية تحول إلى معسكر كوندارا، حيث حوله النقيب كامارا إلى مقر للمجلس العسكري الحاكم منذ سنة تقريبا، علما أن كامارا تعرض ل«محاولة انقلاب» يوم 3 ديسمبر، نفذها مساعده أبو بكرصديق دياكيتي تومبا الذي يريد السلطة الآن. وما زال كامارا قيد العلاج في المغرب.

خلاص غينيا من الدكتاتورية العسكرية المستمرة منذ خمسين سنة، لا يتم إلا من خلال العودة إلى السلطة المدنية، وبناء دولة ديمقراطية، ومحاسبة الانقلابيين واعداء الديمقراطية.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org