في لبنان ظل الوضع يتأرجح طويلاً بين هبة ساخنة وهبة باردة، بين موجات من العنف الكلامي والتوتر الأمني. والذي عاش في هذا البلد قد تأقلم مع هذا الوضع، منذ اندلاع الحرب عام 75، بل قبل ذلك، أي منذ أصبح لبنان، منطلقاً للعمل المسلح قبل أربعة عقود. وهذا ما جعل اللبناني يتدرب على المقاومة بفعل إرادة البقاء، وأقصد بالمقاومة هنا شكلها المدني والسلمي، في مواجهة حروب الخارج والداخل.

ولهذا، عندما كانت تندلع الاشتباكات في حي أو منطقة أو مدينة، كانت الحياة تسير سيرها الطبيعي في الأحياء المجاورة أو في المدن والمناطق الأخرى.

ولهذا أيضاً فإن بعض اللبنانيين قد رمَّموا بيوتهم أكثر من مرة، أو أنهم هُجّروا من بيوتهم غير مرة، من بيروت إلى بقية المناطق والمدن، أو بالعكس، وخاصةً من الجنوب إلى بيروت، وذلك تبعاً لتنقل المعارك والحروب، الأمر الذي أبقى لبنان بلداً معلّقاً أو وطناً مرجأ، منذ أن توالت عليه الحروب والمقاومات والمشاريع والاستراتيجيات، على اختلاف منطلقاتها القومية واليسارية والإسلامية، العربية والإقليمية والعالمية.

بهذا المعنى كان اللبناني مقاوماً بامتياز، بالمعنى الوجودي للكلمة. هذا شأن الفلاح الذي كان يحرث أرضه تحت دوي القذائف الإسرائيلية، أو التاجر الذي يفتح محله، أو السائق الذي يتجول بسيارته، أو الموظف الذي يذهب إلى إدارته، أو الصحافي الذي يكتب مقالته..

ولا شك أن الأكثر صموداً ومقاومةً هو المرأة التي كانت تهرع لاصطحاب ابنها من مدرسته، عندما تشتبك المنظّمات المسلّحة في الأحياء والزواريب، أو عندما يجري تبادل القصف العشوائي بين شطريّ بيروت.. فالكل كانوا مقاومين، إن لجحيم الحرب من الخارج، أو لعبث الميليشيات بأمن البلاد والعباد.

وهكذا لم تمنع الحرب اللبناني والمقيم في لبنان، من أن يعيش بصورة طبيعية، وأن يمارس حيويته بالانخراط في أعمال الإنتاج والابتكار والتحديث، بل زاده ذلك قوة ومنعة.

بدليل أن مشاريع العمران والبناء والازدهار، كانت تتساوق مع أعمال العنف والخراب. وهذا شأن معرض بيروت الدولي للكتاب، الذي نظّم دورته الثالثة والخمسين في شهر ديسمبر الفائت. فهو شاهد على حيوية العاصمة، بدليل أنه لم ينقطع عن الانعقاد طوال سنوات الحرب.

والشواهد الناطقة كثيرة. أبرزها الوسط التجاري الذي أعيد تأهيله وترميمه وتجميله بعد وقف الحرب عام 1990، لكي يشكل إنجازاً عمرانياً وعملاً تنموياً خارقاً. وأنا فيما كنت في طريقي إلى معرض الكتاب، بالمرور مشياً على الأقدام عبر وسط المدينة، وقفت مذهولاً أمام المنطقة الجديدة التي جرى افتتاحها منذ شهرين.

والتي هي جزء من الأسواق القديمة لمدينة بيروت، بشوارعها الضيقة وأبنيتها الهشة، والتي لم تكن صالحة لإعادة التأهيل. ولذا جرى هدمها وإعادة بنائها على الطراز الحديث، بل الأحدث بما يعد تحفة عمرانية. كل هذا حدث في السنوات الأخيرة الفائتة، وسط ما شهدته بيروت من التوترات والتفجيرات والاغتيالات. وهذا ما جعلني أقول للشخص الذي رافقني في جولتي: أنا أتفاءل بما رأيت وعاينت.

ولا أنسى أن لبنان يعيش فترة هدوء منذ شهور، أسهم فيها التقارب بين سوريا والسعودية. وقد تعزّز ذلك بتشكيل الحكومة اللبنانية برئاسة سعد الدين الحريري، وتُوّج بزيارته إلى دمشق لكي يستقبله الرئيس بشار الأسد كزعيم ورئيس وصديق، كما قالت إحدى الصحف اللبنانية.

والأمل أن يستمر ذلك لإعادة بناء العلاقات بين البلدين الشقيقين، على أسس جديدة تتوسع معها مساحات التبادل الاقتصادي والثقافي، أي مجالات القوة الناعمة، بعد أن تغلبت المجالات السياسية والأمنية والاستراتيجية على ما عداها. وإذا كانت العوامل الخارجية تلعب دورها في لبنان، سلباً أو إيجاباً، توتراً أو هدوء، فإن للبنانيين دورهم في هذا المجال:

فبقدر ما يختلفون وتحتدم صراعاتهم، يزداد أثر الخارج العربي والإقليمي. وبالعكس: بقدر ما يتّفقون يتضاءل أثر القوى اللاعبة من الخارج على ساحتهم. والأمل هنا ايضاً أن يستخلصوا الدروس والعبر من تجارب الماضي المريرة.

في أي حال، إن بيروت مع حلول أعياد الميلاد ورأس السنة، تنعم بأجواء الفرح والبهجة، حيث الموسيقى الناعمة والحالمة تصدح في كل مكان. إنها تزدهي بالزينة المنصوبة في الشوارع والنواصي والساحات، أو في واجهة المحال والمتاجر والمقاهي، على شكل أشجار من مختلف الأحجام والألوان والأضواء، كل واحدة منها تتلألأ كمشكاة من نور. ولذا استحقت بيروت بجدارة أن تكون الأولى، أو من بين الأُول، من عواصم العالم، من حيث ممارستها حيويتها وتفرّدها بتجسيد معاني الجمال والفرح والازدهار والاحتفاء.

لا أريد بذلك أن أغرق في مديح بيروت أو في الحديث عن مزايا لبنان. وأنا لا أفاضل بين بلد وآخر. لعل ظروف لبنان وتركيبته التعددية هي التي جعلته يمتاز بنمط عيشه، أو باتساع مساحات الحرية فيه. حتى المقاومة العسكرية، إنما نجحت فيه، أكثر مما نجحت في مكان آخر، لضعف الدولة وهشاشة السلطة.

ولكن ميزة لبنان الأولى هي المقاومة بالقوة الناعمة، بالثروة والثقافة، بالسياحة والخدمة، سيما بعد أن حققت المقاومة العسكرية أغراضها.

ولا يعني ذلك أن لبنان هو فردوس أو ملكوت للسعادة. هناك مشكلات وآفات، وهناك أمور كثيرة تسير بصورة سيّئة. فالسير في بيروت، على سبيل المثال، قد بات جحيماً، ولذا لم تعد تنفع المعالجات المؤقتة، لأن الأمر يحتاج إلى خطة شاملة لبناء شبكة من الأنفاق والجسور..

وبالعودة إلى منطقة الأسواق التجارية، أختم حديثي بالقول إن هذه المنطقة الجميلة من الناحية العمرانية، تحتاج إلى جانب المطاعم والمقاهي أو المكاتب والمتاجر أو الجوامع والكنائس، إلى المكتبات والمسارح والمنتديات والمنابر، بحيث تنمو وتتسع فيها الأنشطة التي تحيلها إلى بؤرة حيّة وإلى مساحة حضارية مزدهرة.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb