ثمة حرب طبقية تدور رحاها في الولايات المتحدة، لكنها ليست ضد الثراء الفاحش، بل ضد الأثرياء الجدد، أو الذين يحاولون أن يكونوا أثرياء.
فقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن الأميركيين الذين يزيد دخلهم السنوي على 200 ألف دولار، سوف يدفعون ضرائب دخل أكبر. ومن المفترض أن يتم رفع سقف ضرائب الرواتب، كما سيُرفع بالنسبة للطبقة العليا.
وسوف تقتطع ضرائب العقارات ما نسبته 45% من قيمة التركة الفردية التي تزيد قيمتها على 5, 3 ملايين دولار. وقد زاد العديد من الولايات الأميركية ضرائبها المفروضة على الفئات العليا من المجتمع.
ومعظم المستهدفين بالضرائب لم يكونوا أغنياء، كوارن بيفت وبيل غيتس، لكنهم ملايين ممن يتمنون الغنى. قد يكونوا حققوا دخولا سنوية أكثر من المتوسط، لكنهم ليسوا من المليونيرات الكثيرين المضاربين في «وول ستريت»، والذين حطموا الاقتصاد الأميركي تقريبا، بحثا عن الفوائد والمكافآت المالية الضخمة. وعوضاً عن ذلك، معظمهم من المهنيين وأصحاب الشركات الصغيرة، الذين يتحملون المخاطر الكبيرة على أمل تحسين مستوى معيشتهم، ويورثون أموالهم إلى أبنائهم.
والغريب أن الذين يلقون معظم الخطب الشعبية التي تدور حول الحاجة لكبح الأثرياء الجدد، هم من الأشخاص فاحشي الثراء، الذين لا يهتمون لقيمة الضرائب المفروضة عليهم، نظراً لثرواتهم الطائلة.
لو أخذنا بيل غيتس الأب، مثلا، الذي يثير ضجة متواصلة، ويطالب بفرض ضرائب أملاك أعلى على الورثة، فإنه يدافع عن مطالبه بسهولة بالغة، فهو على أي حال والد أثرى رجل في العالم، ومن الواضح أنه لا يحتاج إلى تركة.
وغالبا ما ينشئ الملياديرات المؤسسات الخيرية، لضمان توزيع أملاكهم بحسب أهوائهم، بدلا من أن تنتقل ببساطة إلى الخزانة الأميركية المعوزة.
وعلى النقيض من ذلك، فإن المزارعين وأصحاب الشركات معتدلي الثراء، غالبا ما يتركون أملاكاً كافية للورثة لكي يدفعوا ضرائب التركات، لكنهم لا يتركون مبالغ مالية كافية لإنشاء المؤسسات الخيرية المعفية من الضرائب.
ويطالب وارن بيفت كذلك، بفرض ضرائب دخل أعلى على الأثرياء. واعترف ذات مرة بأنه بفضل سقط المتاع الذي يمتلكه، فإنه لم يدفع سوى 17% من دخله الإجمالي، على شكل ضرائب فيدرالية، وهو مستوى من الضرائب أقل بكثير من مستوى العديد من موظفي مكتبه.
غير أن بيفت، مثل بيل غيتس، يمتلك مليارات الدولارات. وفي الواقع لديه مبالغ طائلة، لدرجة أن الضرائب لا تؤثر على ثروته، مهما ارتفعت نسبتها. وحتى لو التهمت الضرائب 60% من دخله السنوي، فستتبقى له ملايين الدولارات. غير أن النسبة نفسها قد تشل صاحب شركة يحقق دخلا سنويا قدره 300 ألف دولار.
وغالبا ما تدعي الحكومة الأميركية أن مقترحات الضرائب المرتفعة تستهدف الأثرياء، كدليل على نكران الذات لديهم. وقد أعلن الرئيس أوباما على سبيل المثال، أن الأغنياء أمثاله بإمكانهم دفع مزيد من الضرائب.
ولكن بعكس السياسيين في واشنطن، لا يتلقى معظم الأميركيين الذين لديهم شركات خاصة، عقب تقدمهم في السن، مخصصات حكومية مجانية إضافية ومعاشات تقاعدية سخية، ولا تتوفر لهم ضمانات بالحصول على مصادر دخل مريحة.
ويزداد تركيز الضرائب على الذين يتمكنون في بعض السنوات من تحقيق دخل يتراوح بين 200 و500 ألف دولار سنوياً، وهذا يبدو لا معنى له وسط كساد اقتصادي كاسح مستمر لمواسم عدة. وهم ليسوا من المضاربين الذين أحدثوا الذعر في عام 2008، كما أنهم ليسوا من سياسيي واشنطن الذين تسببوا في إفلاس أميركا.
بل إن معظمهم من أصحاب الشركات الذين يوظفون النسبة الساحقة من الأميركيين لديهم، ولكن عند مواجهتهم بالأحاديث عن رفع الضرائب، وفرض مزيد من التشريعات، وبالخطب النارية العدوانية، فإنهم يظلون مشوشين ومقتصدين جداً في مصاريفهم بدلا من زيادتها.
ومع مستوى الضرائب الجديد المقترح فرضه على الرواتب والرعاية الصحية والدخل الفردي، علاوة على ضرائب الولايات الأميركية، والضرائب المحلية المتزايدة، يخشى كثير من أصحاب الشركات من ذهاب ما بين 60 إلى 70% من دخلهم إلى الحكومة. ولا تبدو هذه وسيلة جيدة لإقناع الشركات الصغيرة بتوظيف مزيد من العمال، على أمل الحصول على أرباح أكبر.
والدخل الفردي ليس هو المقياس الوحيد للثراء، فمثلاً يبدو مبلغ 200 ألف دولار دخلا سنويا ضخماً جداً في كانساس، لكنه لا يبدو كذلك في سان جوزيه، حيث المنازل المتواضعة تكلف في الغالب أكثر من نصف مليون دولار. أما الأشخاص الذين ليس لديهم أبناء مؤهلون لمنح دراسية خاصة بالفقراء، فإن تعليمهم يكلف أكثر من 200 ألف دولار للفرد.
إذن، لماذا يتم شن هذه الحرب ضد الطبقات الاجتماعية المنتجة في الولايات المتحدة التي ترغب في الثراء؟
ربما يكون السبب أن أعدادهم محدودة، بعكس أمثالهم من أبناء الطبقة الوسطى. وربما يعود السبب لكونهم لا يكسبون التعاطف الذي يحظى به الفقراء على وجه الخصوص.
وحتماً يفتقرون للمنزلة العالية والوساطات الداخلية التي يحظى بها ذوو الثراء الفاحش. ومع مواصلة معاقبتهم وتصويرهم كشياطين، فستتوقف عجلة الاقتصاد الأميركي، كما نرى الآن.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد