يبدو أن اليمين الفرنسي هذه الأيام يستغل الوضع في أوروبا، لاستثمار مشكلة الأقليات والديانات التي أصبحت تنمو بوتيرة سريعة، لفرض أجندته الخاصة التي تخدم أهدافه ومصالحه. حيث يلاحظ المتتبع للشأن الفرنسي والأوروبي، حوارا كبيرا يدور في فرنسا حول ماهية الهوية الوطنية وعناصرها ومفرداتها، وما يجب أن يتوفر في الفرد حتى يعتبر فرنسيا...الخ، بمبادرة من وزير «الهجرة والاندماج والهوية الوطنية» الفرنسي.

ومنذ أن طُرح النقاش حول الهوية الوطنية في فرنسا، والتشكيك قائم حول النوايا الكامنة وراء تلك المبادرة. فمنهم من يرى أن حزب «الاتحاد من أجل الحركة الشعبية» الحاكم وراء المبادرة لتحضير الانتخابات المحلية المقررة في مارس 2010.

ومنهم من يرى أن المبادرة برمتها تستهدف العرب والمسلمين، حيث صرح أحدهم بأن فرنسا ليست «ملزمة بإيواء 10 ملايين شخص لا ينتجون شيئا ولا فائدة منهم». وترى المعارضة أن وراء «حملة الحجاب والبرقع جاء الآن دور القبعات».

إشار ة إلى أبناء المهاجرين الذين يلبسون القبعات بالمقلوب، والمعروف عنهم أعمال الشغب والمظاهرات ضد التهميش والبطالة والتمييز. من جهته طالب الحزب الشيوعي الفرنسي بحل وزارة الهجرة والاندماج، وتعليق النقاش حول الهوية الوطنية وغلقه نهائيا وفورا. أما الحزب الاشتراكي فأدان الخلط بين الهجرة والإجرام والإسلام والهوية الوطنية.

كما أن عددا كبيرا من المثقفين والأكاديميين والمفكرين رفض المشاركة في المبادرة، كونها إعلانا صريحا لرفض الآخرين والتمييز ضدهم، واستعداء شريحة كاملة من الفرنسيين.

ماذا يجب أن يتوفر عليه الفرد في فرنسا حتى ينال الهوية الفرنسية؟ ماذا بالنسبة للأقليات؟ وماذا عن الفرنسيين الذين أسلموا؟ وإذا كنت متجنساً، هل يجب أن تتجرد من شخصيتك الثقافية ومن أصولك وجذورك؟ وهل يجب أن تذوب في الثقافة الفرنسية حتى تنال الهوية الفرنسية؟ ماذا لو أردت أن تحافظ على دينك ومعتقداتك وقيمك الإسلامية أو الإفريقية أو الآسيوية... الخ؟

وما المقصود بالاندماج؟ هل هو الذوبان في كل ما هو فرنسي ونبذ المتجنس لشخصيته، وإنكار أصوله وجذوره وذاته؟ لماذا طُرح الموضوع في هذا الوقت بالذات؟ ولماذا هذا التخوف من الإسلام والمسلمين والتشكيك في احترام الوطن الذي يعيشون فيه؟

عبر عقود من الزمن لم تعرف فرنسا كيف تتعامل بطريقة فعالة وإيجابية وبعيدة عن التمييز والعنصرية، مع الأقليات الموجودة على أراضيها، خاصة المسلمة منها. فشباب الضواحي الذي يمثل دائما كابوسا للحكومات الفرنسية المتعاقبة، ما زال يعاني التهميش والبطالة والفقر والحرمان.

وحتى المحاولات «التجميلية» التي قام بها نيكولا ساركوزي عند اعتلائه سدة الحكم، بإقحام ثلاث وزيرات من أصول مغاربية وإفريقية، لم يساعد في حل مشاكل الأقليات في فرنسا.

فمشكلات الضواحي ما زالت مطروحة وبحدة، حيث الفقر والتهميش والمشاكل الاجتماعية والمخدرات والجرائم... الخ. فكل البرامج الاجتماعية باءت بالفشل، بسبب عدم معالجتها للمشاكل الحقيقية التي يعيشها المهاجرون والأقليات وسكان الضواحي.

حملة «الهوية الفرنسية» التي تُطرح وتُناقش هذه الأيام في ربوع فرنسا، تزيد الطين بلة. وبدلا من محاولة إيجاد حلول ناجعة لإدماج الأقليات في المجتمع الفرنسي، مع احترام دياناتهم ومعتقداتهم وخصوصياتهم العقائدية والثقافية، فإنها تثير قضايا تنبعث منها رائحة العنصرية والأحكام المسبقة واستعداء الآخر. فدول مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وأستراليا ودول أوروبية عديدة، تخطت هذه المشكلة من خلال التسامح والبرامج الاجتماعية الناجحة، وإدماج الآخر والتأقلم مع المعطيات الجديدة والتطورات المتسارعة التي يعيشها العالم.

من جهة أخرى نلاحظ تعنت فرنسا ومحاولة محو شخصية الآخر الذي يتمتع بجنسيتها والذي وُلد فوق ترابها، لكن أصوله وجذوره تأتي من وراء البحار. فبدلا من تذليل التوتر والصراعات والمشاجرات والتسريع بالاندماج، نلاحظ أن ما يجري في فرنسا هذه الأيام باسم الهوية الوطنية، من شأنه أن يؤدي إلى تصدع المجتمع الفرنسي وتفجير مشاكل اجتماعية ونزاعات وحساسيات، تكون عواقبها وخيمة على الجميع.

فالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ومنذ توليه رئاسة الجمهورية الفرنسية، حذر وما زال يحذر من «الخطر الإسلامي» وتداعياته وانعكاساته السلبية على الهوية الفرنسية بشكل خاص والأوروبية بشكل عام، وهذا من خلال المهاجرين المسلمين الذين يتزايد عددهم يوما بعد يوم، إلى جانب تراجع المعتقد الديني عند الفرنسيين والأوروبيين واعتناق عدد منهم الديانة الإسلامية.

والمتتبع اليوم لما يجري في فرنسا يلاحظ التمييز والإقصاء والتهميش والفشل الذريع في عملية إدماج الآخر. فقانون «الهجرة المختارة». على سبيل المثال، يعبر عن النية الحقيقية لدولة لا تريد إدماج الآخر، أو تريد إدماجه بعد طمس شخصيته ومسح هويته وجذوره وأصوله، وهذا مبدأ يتناقض جملة وتفصيلا مع حرية العقيدة والحريات الفردية وحقوق الإنسان.

فرنسا الجمهورية الرسمية يجب أن تعترف بالأمر الواقع، ويجب أن تعيش على غرار الشعوب المتطورة والمتحضرة التي تؤمن بالثقافات والديانات والأعراق الأخرى، وأن تعترف أنه حان الوقت للانفتاح على الثقافات الأخرى والتعايش مع الأقليات والديانات، والإيمان الصادق بالحوار من أجل الوصول إلى التأقلم مع المعطيات الجديدة، بعيدا عن الانغلاق على الذات والتقوقع حول قيمها وثقافته وموروثها الاجتماعي.

وهذا يتطلب التوقف عن الاستغلال والابتزاز والتلاعب بالمفاهيم والمصطلحات، لتحقيق أهداف بعيدة كل البعد عن المواطنة والهوية الوطنية والاندماج. فالتنوع والاختلاف عنصران من عناصر القوة والإبداع والتميز والنجاح، والانغلاق والتقوقع على النفس عوامل تؤدي إلى الإقصاء والتهميش والصراع والتخلف.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae