تبنى العلاقات بين الأفراد والدول في منطقتنا العربية على درجة معينة من الثقة، المبنية في بعضها على جانب مهم من العلاقات الشخصية. وتمثل الثقة حجر الزاوية في أي علاقة ينسجها الفرد أو الجماعة أو الدول مع بعضهم، وهي علاقة لا تنحصر فحسب في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المباشرة، وإنما هي في جلها تبنى على العلاقات الشخصية غير المباشرة، أي على الجوانب النفسية والانطباعية الداخلية للفرد أو الأفراد. وعلاقات الدول هي في جوهرها علاقة بين أفراد متأثرين بدواخلهم النفسية وتجاربهم الحياتية ومضمون انطباعاتهم في لقاءاتهم مع الآخرين.
وحتى يكون الأمر واضحا، فإننا نفترض مثلا، أن شخصا قرر أن يستثمر جزءا من مدخراته أو فائض أمواله، فإن أول شيء سينظر إليه هو السمعة التي يحتلها مجال الاستثمار، أو درجة الثقة في مكانه أو الأشخاص القائمين عليه. من هنا نجد الاختلاف بين قدرة بعض الدول على استقطاب كبير وكثيف للاستثمار الخارجي، مقابل إخفاق البعض الآخر منها في استقطاب أقل القليل منه.
وهذا ما يفسر في بعض أوجهه عدم ثقة الكثير من المستثمرين العرب والأجانب في دول عربية بعينها، لعجزها عن حماية استثماراتهم من المضايقة إن لم تكن المصادرة. بل وتساق الروايات والقصص عن أن بعضا من الاستثمارات الأجنبية التي نراها في بعض من هذه الدول، لم يكن لها أن تكون لو لم يتم دفع «إتاوات» و«كوميشنات» لأشخاص وجماعات متنفذة في هذه الدول، أو أن هذه الإتاوات يتم دفعها من قبل المستثمر الأجنبي لحمايته من صغار المتنفذين أو من التوظيف النفعي لسلطة القانون.
وأعتقد أن الحديث عن هجرة رؤوس الأموال العربية عن مواطن العرب، ليست نتيجة لضعف بيئة الاستثمار في هذه الدول، وإنما تتم كنتيجة لما يمكن تسميته بانعدام الثقة في البيئة الاستثمارية المحلية، من حيث ضعف بنيتها الأساسية من ناحية، ومن حيث الغياب الكلي لتشريعات تحمي الحقوق المالية للمستثمر. وفوق هذا وذاك، الغياب الكلي أو الجزئي لسلطة القانون التي تحمي للناس حقوقهم وترعاها. فما الفائدة من وجود قوانين تبدو في غاية التطور والحداثة، إلا أنها غير نافذة أو «أهوائية» التطبيق؟ بمعنى أن يأتي تطبيق هذه القوانين مزاجيا ووقتيا وتتراخى سلطتها بمرور الوقت.
ويبقى أمر تعظيم الاستثمار مرتبطا بقدرة هذه الدول على تحقيق القدر الكافي من الاستقرار السياسي، فالذي يدفع مستثمرا عربيا للاستثمار في دول غربية وأخرى آسيوية، ليس هو فحسب تطور بنيتها الأساسية، وإنما في الحقيقة أن هذه الدول قد استطاعت أن تقنن حالة صراع الجماعات والقوى فيها، وأن تجعل الدولة مؤسسة فوق المزاج الشخصي أو النزوع العصبوي للأشخاص الماسكين بدفة السلطة، أي في اعتبار أن الدولة تمثل حالة فوق أهواء ونزعات الأشخاص القائمين على إدارتها.
فالدول الغربية بفضل الاتفاقات الأمنية والسياسية بينها، استطاعت أن تعيش حالة من الاستقرار السياسي منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن. كما أنها بفعل «كارثية» الحروب التي دخلت فيها في السابق، استطاعت أن تقيم ضمانات سياسية محلية وإقليمية تمنع وصول القوى السياسية والعرقية والدينية المتطرفة لسدة الحكم، مثل ما استطاعت المجموعة الأوروبية أن تمنع اليمين المتطرف في النمسا وفي مواقع أخرى من أوروبا الغربية، من الانفراد بصناعة الحكم.
إنها حالة بدأت تشاركها فيها بعض من الدول الآسيوية الناهضة، كالصين وماليزيا وسنغافورة وغيرها. وفي هذا الإطار تفسر قدرة هذه الدول على كسب ثقة الاستثمار الخارجي وفشل دول عربية كثيرة وباكستان وسريلانكا على تحقيق ذلك بفعل فشلها في حسم الصراع القائم فيها على الحكم والنزول فيه لحكم صادق من صناديق الاقتراع.
وقد يقول قائل إن جل البلاد العربية تعيش حالة من حالات الاستقرار السياسي، بدليل عدم حدوث تغيير في رموز السلطة السياسية فيها خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية. ومع ذلك فإن عدم التغيير لا يمثل بالضرورة حالة من الاستقرار القائم على شرعية سياسية تحتكم لمنطق العقل وأصول الحكم الرشيد، بقدر ما يمثل شكلا من أشكال احتكار السلطة وربما الدولة، في أيدي أفراد وجماعات بعينها.
إن الاستقرار السياسي الذي نتحدث عنه، لا يأتي إلا عن طريق تطوير الشرعية السياسية لمستوى الشرعيات الحديثة التي تحددها بصدق صناديق الاقتراع، وفي قدرة هذه الدول على التأسيس الفعلي لدولة القانون بعيدا عن مصالح القائمين عليها.
إن الإخفاق التنموي في المنطقة العربية قد يعود إلى عجز منظوماتنا السياسية عن تحديث أطرها الحاكمة للعمل السياسي ولعلاقة الدولة بالمجتمع. وهذا الانقطاع بينهما، أو بالأحرى انعدام الثقة، هو في الواقع الجزء المعطل لحركة الاستثمار والنهوض التنموي في المنطقة العربية.
كاتب بحريني