رغم كل الامنيات الحسنة التي راودت خيال الكثيرين منا،‮ ‬في مثل هذه الايام من نهايات العام الماضي،‮ 2008 ،‮ ‬وبالرغم من كل التطلعات المتفائلة التي دارت في رءوس معظم البشر من سكان العالم،‮ ‬مع تباشير عام‮ ‬2009‮ ‬الذي كان جديداً‮ ‬في حينها،‮ ‬ويوشك علي الانتهاء الان،‮...‬،‮ ‬رغم هذا،‮ ‬وبالرغم من ذلك،‮ ‬لا نستطيع ان نقول،‮ ‬إنه كان عاما علي مستوي التوقعات والاماني،‮ ‬بالنسبة لعموم الناس،‮ ‬وغالبية البشر،‮ ‬سواء في مصر،‮ ‬أو المنطقة،‮ ‬أو‮ ‬غيرها من دول وشعوب العالم،‮ ‬بطول وعرض قارات الدنيا‮.‬

نقول ذلك،‮ ‬وعيوننا معلقة بنيران الحروب المشتعلة في اماكن عديدة من هذا العالم،‮ ‬ونقوله والسلام والاستقرار مازالا بعيدي المنال في البلاد العربية،‮ ‬والاسلامية،‮ ‬سواء في فلسطين،‮ ‬أو العراق،‮ ‬أو اليمن،‮ ‬أو الصومال،‮ ‬أو‮ ‬غيرها‮.‬

ونقوله والازمة الاقتصادية لاتزال تلقي بظلالها الكئيبة او الداكنة علي جميع الدول والشعوب،‮ ‬في العالم،‮..‬،‮ ‬ونقوله ايضا والانظار شاخصة في بقاع كثيرة من العالم،‮ ‬في قلق وتحسب لازمة‮ ‬غذاء تلوح‮.. ‬في الافق،‮ ‬قد تكون أشد عنفا،‮ ‬وأكثر وطأة من الازمة التي اطبقت عليهم منذ عامين،‮ ‬خاصة انها اذا ما أتت،‮ ‬ستتواكب مع،‮ ‬وتضاف الي الازمة الاقتصادية العالمية،‮ ‬التي لم يبرأ العالم منها بعد‮.‬

ونقوله كذلك،‮ ‬والهلع يغرس اظافره في نفوس البشر،‮ ‬فرقا،‮ ‬ورعبا،‮ ‬من موجة الاوبئة والفيروسات المفترسة،‮ ‬التي راحت تجتاح العالم شرقه وغربه في صورة انفلونزا الخنازير‮ ‬H1N1‮ ‬وانفلونزا الدجاج،‮ ‬والمــاعز،‮ ‬والخيول،‮ ‬وغيرها‮.‬

ونقوله اخيرا،‮ ‬والخوف يسيطر علي سكان الارض،‮ ‬ويستولي علي مشاعر جميع الامم والشعوب،‮ ‬الغنية والفقيرة،‮ ‬جراء تلوث المناخ،‮ ‬الذي أصبح يهدد الحياة ذاتها،‮ ‬علي كوكب الارض،‮ ‬نتيجة الاحتباس الحراري،‮ ‬وذوبان الجليد،‮ ‬وارتفاع منسوب المياه في المحيطات والبحار‮.‬

ونحن هنا،‮ ‬لا نريد اشاعة جو من التشاؤم،‮ ‬أو نشر الكآبة مع نهايات العام الحالي 2009 ‬الذي راح يلملم أوراقه التي تناثرت طوال الاشهر،‮ ‬والاسابيع،‮ ‬والايام المنصرمة،‮ ‬بخيرها ومرها،‮ ‬ايذانا بالرحيل،‮ ‬مفسحا المجال لعام جديد،‮ ‬بدأت ارهاصاته تلوح في الافق،‮ ‬وتباشيره تدق علي الابواب،‮ ‬بملامح مازالت في طور التشكيل،‮ ‬يظنها البعض،‮ ‬في حكم الغيب،‮ ‬ويجتهد البعض الاخر في فك طلاسمها،‮ ‬وتوقع احداثها،‮ ‬طبقا للمقاييس العقلية،‮ ‬والتجارب المتراكمة،‮ ‬تأسيسا علي ما هو قائم بالفعل،‮ ‬واستشرافا للتطورات المحتملة‮.‬

وفي هذا السياق،‮ ‬يري هؤلاء وانا معهم،‮ ‬خطأ الظن بأن سلسلة الزمن،‮ ‬ومسيرته،‮ ‬تنتظم في سنوات منفصلة لا اتصال ولا تلاحم بينها،‮ ‬ويرون ان هذا وهم‮ ‬غير قائم،‮ ‬وغير موجود،‮ ‬فلا الزمن سلاسل منفصلة،‮ ‬ولا السنوات صفحات تغلق وتطوي بلا رجعة،‮...‬،‮ ‬بل هي في الواقع حلقات متصلة،‮ ‬وموجات متلاحمة في نهر الحياة،‮ ‬تشكل في مجملها مسيرة الانسان علي الارض،‮ ‬في يومه الذي يصبح أمسا فور انقضائه،‮ ‬وفي‮ ‬غده الذي يتحول الي اليوم مع إشراقة الفجر الجديد‮.‬

ويؤكد هؤلاء،‮ ‬ان المستقبل لا يصنع نفسه،‮ ‬ولا يسقط علي البشر فجأة،‮ ‬ولا علي حين‮ ‬غرة،‮ ‬او دون توقع او تحسب،‮ ‬بل هو نتاج ما هو قائم،‮ ‬وصنيعة ما نأخذه من قرارات،‮ ‬وما نقوم به من اعمال وافعال،‮ ‬واننا لا نحصد سوي نتاج أعمالنا،‮ ‬وان تلك هي سنة الحياة،‮ ‬وقانون البشرية الدائم والمعروف بأن الجزاء من صنف العمل‮.‬

وانطلاقا من ذلك،‮ ‬فاننا نقول،‮ ‬انه رغم ما أوشك عليه عام‮ 2009 ،‮ ‬من الانتهاء،‮ ‬بأحداثه المريرة التي كان لها طعم المر عند العالمين العربي والاسلامي وغيرهما من شعوب العالم،‮ ‬الا اننا لا نستطيع الادعاء،‮ ‬ولو من باب التكهن او التنبؤ،‮ ‬بأن العام الجديد ‮2010،‮ ‬الذي بدأت تباشيره تلوح في الافق،‮ ‬سيكون مختلفا في وقائعه واحداثه عن سابقه ‮2009 ‬الذي يكاد يلفظ انفاسه الاخيرة الان،‮...‬،‮ ‬ومن هنا فلا نستطيع ان نقول ايضا انه سيكون أكثر رحمة وشفقة بنا وبالعالم عما سبقه‮.‬

وحتي لا يلتبس الامر علي البعض منا،‮ ‬لابد ان نسارع بالقول،‮ ‬اننا بالقطع كنا ومازلنا نرجو أن‮ ‬يكون الأمر علي‮ ‬غير ذلك،‮ ‬وكنا ومازلنا نتمني ان ندخل الي العام الجديد بعد ايام معدودات ونحن اكثر تفاؤلا مما نحن عليه الان،‮ ‬وكنا نتمني ان نستطيع القول عن ثقة واطمئنان،‮ ‬بأن هناك من الدلائل والمؤشرات ما يوحي بشيء اكثر إشراقا،‮ ‬وان هناك إرهاصات او بوادر يمكن ان نتوقع علي اساسها امكانية التفاؤل بما هو قادم .

ولكن للاسف لا نستطيع الافتئات علي الواقع،‮ ‬والقول بغير الحقيقة‮.‬ فها هو العام الذي كاد ان ينصرم،‮ ‬يشرع في نقل ممتلكاته ووصاياه الي العام الجديد،‮ ‬بما فيها جميع الازمات،‮ ‬والانكسارات،‮ ‬والكوارث،‮ ‬التي حلت علي العالم بصفة عامة خلاله،‮ ‬والعالمين العربي والاسلامي بصفة خاصة،‮...‬،‮ ‬وها هي كل الملفات مازالت مفتوحة علي مصراعيها،‮ ‬بما فيها من جراح دامية،‮ ‬ومآس قائمة،‮ ‬وظلم فادح،‮ ‬وقهر دائم،‮ ‬وفرقة،‮ ‬وتشتت وخلاف علي الساحات الفلسطينية علي وجه الخصوص،‮...‬،‮ ‬والعربية والاسلامية علي وجه العموم‮.‬

وكما قلنا سلفا،‮ ‬تلك هي طبيعة الاشياء،‮ ‬وطبائع السنين والايام،‮ ‬فالزمن حبل متصل لا انقطاع فيه،‮ ‬مستمر دون انفصال،‮ ‬مترابط متشابك في سلسلة واحدة متعددة الحلقات،‮ ‬تضم في سرمديتها أحداثا،‮ ‬ووقائع،‮ ‬وتطلعات وامنيات،‮ ‬واحلاما،‮ ‬تمثل لكل منا الماضي،‮ ‬والحاضر،‮ ‬والمستقبل،‮ ‬وهي بالنسبة لنا وللعالم كله الامس،‮ ‬واليوم،‮ ‬والغد‮.‬

ولذلك فان علينا ألا نتوقع عاما جديدا مختلفا في شكله او مضمونه،‮ ‬او محتواه عما نودعه الان،‮ ‬فهذا نوع من الاغراق في الاماني صعبة المنال،‮ ‬كما انه نوع من الهروب بعيدا عن الواقع المعاش في عالم البشر علي الارض‮.‬

ونظرة متأملة علي عالمنا العربي والاسلامي،‮ ‬خلال العام الذي يوشك علي الأفول الان،‮..‬،‮ ‬واذا ما عدنا بالذاكرة الي الوراء قليلا،‮ ‬في استعراض سريع لاحوال هذا العالم،‮ ‬وما جري،‮ ‬وما حدث،‮ ‬وما وقع،‮ ‬لوجدنا ان الحال لا يسر علي الاطلاق،‮ ‬فالعنف،‮ ‬والقتل،‮ ‬والدمار،‮ ‬كانت هي السمات الطافية علي سطح الحياة في الاراضي الفلسطينية والعراق واليمن والصومال،‮ ‬وافغانستان‮.‬

واذا ما زدنا علي ذلك ما يحدث من قلاقل وعدم استقرار في السودان الشقيق،‮ ‬سواء في دارفور،‮ ‬او الجنوب،‮ ‬وما نراه من تدخل اقليمي ودولي في الشئون السودانية،‮ ‬نتيجة للفرقة والخلاف،‮ ‬بين اطياف الشعب السوداني،‮ ‬لوجدنا تصعيدا في اخطار عدم الاستقرار،‮ ‬ودفعا نحو الانقسام والتقسيم‮.‬

وبالنسبة للقضية الفلسطينية،‮ ‬أعتقد أن أحداً‮ ‬منا لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬ينسي ما تعرض له الشعب الفلسطيني الشقيق في‮ ‬غزة،‮ ‬من اعتداء همجي وإجرامي‮ ‬من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي،‮ ‬مستخدماً‮ ‬في وحشية بالغة كافة صنوف وأدوات التدمير والهدم والقتل ضد شعباً‮ ‬أعزال،‮ ‬ابتلاه الله بهمجية الإحتلال،‮ ‬حماقة وقصر نظر،‮ ‬الأشاوس من قادة حماس الذين نصبوا أنفسهم حكاماً‮ ‬عليه بعد انقلابهم الدموي علي السلطة الفلسطنية‮.‬

ولعلنا مازلنا نذكر أيضاً‮ ‬ذلك التفاؤل الشديد،‮ ‬الذي انتاب الفلسطينيين والعرب والعالم نتيجة التصريحات اللافتة للنظر،‮ ‬والباعثة علي الأمل في حل مؤكد للقضية الفلسطينية التي صدرت عن الرئيس الامريكي الجديد‮ »‬أوباما‮«‬،‮ ‬والتي أكد فيها علي ضرورة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة وغزة،‮ ‬كحل عادل ودائم للصراع العربي الاسرائيلي،‮ ‬علي ان يتم التمهيد لذلك بالوقف الشامل للمستوطنات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة،‮ ‬وبدء مفاوضات جادة بين الطرفين حول متطلبات الحل النهائي‮.‬

ولعلنا ايضا نذكر ان ذلك التفاؤل لم يستمر كثيرا نتيجة المراوغات الاسرائيلية،‮ ‬ورفض نتنياهو وحكومته المتطرفة الاستجابة لنداء السلام،‮ ‬وسعيهم الحثيث لوضع جميع العراقيل امام مبادرة‮ »‬اوباما‮« ‬وتفريغها من مضمونها ومحتواها،‮ ‬واستخدام جميع الوسائل للتهرب من استحقاقات السلام،‮...‬،‮ ‬وبالقطع مازلنا نذكر ايضا وللاسف ان الانقسام والخلاف والفرقة الواقعة علي الصف الفلسطيني،‮ ‬والحرب المستعرة بين الاخوة الاعداء زعماء الفصائل كانت كلها من العوامل المساعدة لنتنياهو في التهرب من استحقاقات السلام،‮ ‬والالتفاف عليها،‮ ‬بل ووضع شروط تعجيزية مثل الاعتراف بيهودية الدولة الاسرائيلية،‮ ‬والموافقة علي القدس الموحدة عاصمة لاسرائيل‮.‬

وعلي الجانب الاخر،‮ ‬مازال بن لادن لغزا مستعصيا علي الحل طوال السنوات الماضية،‮ ‬في ظل عجز القوة الاعظم عن الامساك به حيا أو ميتا،‮ ‬ورغم كل الحملات العسكرية والمطاردات المستمرة،‮ ‬وعمليات القصف المستمرة في جبال افغانستان،‮ ‬وبالرغم من كم القنابل والصواريخ التي اطلقت علي ما يظن انها مخابئه طوال السنوات الماضية‮.‬

واذا ما اخذنا ما تقول به الادارة الامريكية الحالية،‮ ‬والتي بدأت عملها في اوائل العام الذي يوشك ان يودعنا الان،‮ ‬وما قالته واكدته الادارة السابقة عليها والتي نشرت الحرب والعنف وعدم الاستقرار في العالمين العربي والاسلامي،‮ ‬لوجدنا اتفاقهما علي ان تنظيم القاعدة مايزال له وجود مؤثر ومرعب في أماكن كثيرة من العالم،‮ ‬رغم الاعداد الهائلة من القتلي والضحايا الذين سقطوا علي الارض الافغانية،‮ ‬ورغم الاسري الذين ظلوا سنوات في جوانتانامو،‮ ‬ورغم عمليات الملاحقة التي جرت في قارات العالم،‮ ‬لما يسمي بالخلايا النائمة او الساكنة،‮...‬،‮ ‬وهو ما يعطي صورة‮ ‬غير مريحة ولا مطمئنة،‮ ‬وغير مبشرة بقرب الانتهاء من الحرب المعلنة علي افغانستان،‮ ‬بل العكس قد يكون صحيحا‮.‬

كل ذلك وغيره كثير لا يدعونا للتفاؤل،‮...‬،‮ ‬فإذا ما اضفنا اليه ما يلوح في الافق من استمرار الأزمة الاقتصادية العالمية،‮ ‬وتوقع ازمة جديدة في أسعار المواد الغذائية،‮ ‬بالاضافة الي الازمة القائمة والمستمرة في المناخ‮... ‬لقلنا إن الصورة ليست مضيئة‮.‬

ولكن دعونا رغم ذلك كله نحاول رسم ابتسامة علي وجوهنا ونحن نودع العام الحالي،‮ ‬ونستقبل العام الجديد،‮...‬،‮ ‬مجرد محاولة لعلها تقلل من عتامة الصورة،‮ ‬وتفتح الطريق لشعاع من نور وقبس من أمل‮.‬