المهم أن تتذكّر الحكومة، بعد انقضاء الأعياد، الملفات والقضايا والمشاكل التي قضَّت مضاجع اللبنانيين في فترة الأعياد، وأن لا يُقال (ما زال لدينا متَّسع من الوقت لنعالج الموضوع) فنؤجله إلى السنة المقبلة أو إلى العيد المقبل.
في أيام الحرب كانت أقصى أمنيات اللبنانيين أن تكون هدنة خلال فترة الأعياد ليستطيعوا تمريرها من دون (تنغيص).
اليوم من غير الممكن تحقيق (هدنة معالجة) أو (هدنة إصلاح) فالمعالجة إما أن تكون على مدار السنة أو لا تكون، فلا موسمية فيها بل خطة مستمرة ودائمة تستلهم حاجات الناس ومتطلباتهم و(لا تؤجِّل عمل اليوم إلى الغد).
نقول هذا الكلام لأن الناس شبعوا من السياسة إلى درجة الإنتفاخ وباتوا بحاجة إلى أشياء أخرى غير السياسة لتسيير أمورهم، فهذه الأخيرة لم تنفعهم في شيء:
لا في تخفيف إزدحام ولا في التخفيف من حدة تقنين الكهرباء ولا في معالجة مراقبة الأسعار.
إن المطلوب في البلد اليوم ليس السياسة بالمعنى المبتذل للكلمة أي تسجيل المواقف والمزايدات والفوضى في التصريحات والمؤتمرات الصحافية، بل بالمعنى العلمي للكلمة أي (سياسة) إجتماعية واقتصادية وبيئة وصحية وتربوية، أي (سياسة) التخطيط لا الإرتجال.
التحدي الأوَّل في هذا المجال هو الموازنة العامة لسنة 2010 وكيفية التعاطي مع الموازنات التي لم تُقَر في الأعوام 2006 و2007 و2008 و2009، ليس هناك بلدٌ في العالم تبقى فيه الإدارة من دون موازنة طوال هذه الأعوام، العمل يجب أن يتم وفق سُلَّم أولويات والبداية يُفتَرَض أن تكون من موازنة العام 2010.
في مقابلة أُجريت مع وزيرة المالية ريا الحسن منذ نحو أسبوعين، سئلت عن موعد تقديم الموازنة فقالت إن التأخير لا يتعلَّق بها بل ببعض الوزراء الذين لم يُقدِّموا موازنات وزاراتهم بعد، وإذا لم يُقدِّموها في الوقت الملائم فإن من المؤكد أن تأخير تقديم الموازنة سيكون مرجَّحاً.
صحيح ان في كلام الوزيرة الحسن دعوة ملحة إلى الوزراء للقيام بواجباتهم، لكن الصحيح أيضاً ان الحكومة مجتمعةً هي المسؤولية لأنها التزمت في البيان الوزاري، الذي نالت الثقة على أساسه، تقديم الموازنة في أواخر الشهر المقبل.
هذه عيِّنة من طريقة تعاطي الحكومة مع شؤون المواطن، وهذا التعاطي يُفتَرَض أن يكون أكثر جدّيةً، فإذا كانت (الظروف القاهرة) هي التي حكمت البلد وتحكمت فيه على مدى الأعوام الأربعة الأخيرة، فإن هذه الظروف غير موجودة اليوم، والمطلوب الإفادة من المرحلة الجديدة من الهدنة والتي يمكن أن تتطور إلى استقرار دائم، وعندها لا حجة أمام الحكومة لتتذرَّع بأي شيء ولا سيما بـ(الظروف الإستثنائية)، وإلا فإن نهج المحاسبة يجب أن يُعتَمد من أول الطريق.
