لا يخفى على أحد أن موقع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد اهتز وتراجع، كنتيجة مباشرة لنكوص إدارة باراك أوباما عن مطالبتها الصريحة للحكومة الإسرائيلية بتجميد فوري وكلّي لبناء أي مستوطنات جديدة، تمهيدا لاستئناف مفاوضات السلام على أساس الدولتين .

كانت الفرحة بالتوجّه الأميركي الجديد كبيرة، وكذلك كانت صدمة التراجع والنكوص. في كل الأحوال، عندما تتراجع واشنطن في الشرق الأوسط تتقدّم باريس، هذا في ما يشبه قوانين «الأواني المستطرقة».

ولا يخفى على أحد، أيضا، أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يولي أهمية كبيرة لمنطقة الشرق الأوسط في سياسته الخارجية. بدا هذا واضحا منذ البداية، كما يشير برنامجه الدبلوماسي منذ انتخابه رئيسا للجمهورية في شهر مايو من عام 2007 وحتى اليوم.

إن الرئيس ساركوزي وضع لنهجه كلّه عنوانا عريضا، هو «القطيعة» مع الماضي. كانت ترجمة ذلك على صعيد سياسة فرنسا حيال الشرق الأوسط، والعالم العربي خاصة، هي القطيعة مع سياسة فرنسا «التقليدية».

وكان المقصود بذلك بدقّة، هو القطيعة مع سياسة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، التي اعتبرها ساركوزي «متحيّزة جدا» للعرب على حساب إسرائيل. وهذا ما كان قد دفع البعض إلى الحديث عن «شيراك العرب» على غرار «لورنس العرب».

كانت ملامح التوجّه الجديد تشير إلى منعطف كبير في اتجاه أميركا، وانحسار النشاط الفرنسي في العالم العربي ومعه، لصالح إعطاء الأولوية لإسرائيل، خاصّة أن ساركوزي قد أعلن منذ أن كان مرشحا للرئاسة عن تلك الأولوية، وكرر القول باعتزاز: «أنا صديق لإسرائيل».

مؤكداً في كل مناسبة أنه متمسّك قبل أي شيء بأمنها. ومن القناعات «المتأصّلة» التي كان يسرّ بها للمقرّبين والأصدقاء، قوله إن اليمين الإسرائيلي «القومي» الممثّل عمليا في الليكود ورمزه الحالي بنيامين نتانياهو، هو وحده الذي يمكنه أن يفرض على الإسرائيليين السلام ذات يوم.

وبرز السؤال عن الكيفية التي سوف يجسّد بها نيكولا ساركوزي أولوياته بعد أن أصبح رئيسا؟ أو بالأحرى، السؤال عما إذا كان سينفّذ تلك «القطيعة» التي وعد بها. هذا خاصة أن القطيعة في السياسات الخارجية للدول قليلة عامّة، بل نادرة. فالقاعدة السائدة هي أن الغلبة تكون غالبا في نهاية المطاف، للمصالح وليس للعواطف.

كان الرئيس ساركوزي قد ألحّ في الفترة التي سبقت مباشرة انتخابه رئيسا، على أن يُظهر ابتعاده، بل وتمايزه، عن نهج جاك شيراك، في ميدان السياسة الخارجية بالتحديد. هكذا لم يُبدِ أي ضيق عندما أطلقوا عليه تسمية «ساركو الأميركي». ولم يتردد في أن يُثير دهشة مجموعة من السفراء العرب المعتمدين في باريس، عندما أعلن لهم أثناء لقائه بهم أن أولويته هي إسرائيل بكل صراحة.

لكن رغم هذا كلّه وفوق هذا كلّه، ورغم كل ما قيل وتكرر عن «القطيعة» مع الماضي، تبنّى نيكولا ساركوزي منذ أن أصبح رئيسا، لهجة جديدة هي بالأحرى أقرب إلى الخطاب الديغولي مما هي إلى القطيعة، في ما يتعلّق بموقع فرنسا على المسرح الدولي. وإذا كان قد أكّد على الصداقة التاريخية العميقة التي تربط بين فرنسا والولايات المتحدة، فإنه أكّد في المقابل وبوضوح على أن تلك الصداقة لا تلغي حق الاختلاف.

ولم يتأخّر نيكولا ساركوزي عن السير في نفس النهج «التقليدي» الفرنسي، لما يُعرف ب«السياسة العربية لفرنسا». النهج الذي خطّ معالمه الجنرال شارل ديغول، وسار عليه من خلفوه من جورج بومبيدو إلى جاك شيراك، مرورا بفاليري جيسكار ديستان وفرانسوا ميتران، أي من قِبَل جميع رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة.

وها هو ساركوزي يتبنّى بدوره نفس النهج «التقليدي». وليس القطيعة معه. وترجم ذلك عبر موقف الدفاع المتحمّس عن قيام دولة فلسطينية، الآن ودون إبطاء. دولة قابلة للحياة، وليس مجرّد صورة بلا مضمون.

ولا يتردد في مثل هذا السياق عن توجيه النقد، بلا مواربة، لما يبديه الرئيس الأميركي باراك أوباما من تردد.

صحيح أن ساركوزي «لا يحمل الرئيس الأميركي في قلبه». لكنه يطرح في الوقت نفسه إمكانية أن تلعب فرنسا ـ ساركوزي دورا «متميّزا» في الشرق الأوسط. إن هوى ساركوزي الشخصي يميل بالأحرى نحو إسرائيل، لكن العقبة أمام دوره المتميّز تأتي تحديدا من «أصدقائه» الإسرائيليين، وهو يدرك ذلك جيّدا.

في المحصّلة، تنضوي دبلوماسية الرئيس ساركوزي في الخط العريض ضمن النهج الديغولي، الذي لم يقطع الصلة معه أي رئيس من رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة، رغم اختلاف أمزجتهم ومشاربهم السياسية يمينا أو يسارا، منذ أن أرسى الجنرال أسسها عام 1958.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr