قمة المناخ التي عقدت مؤخرا في كوبنهاغن أثارت ردود فعل متباينة، وفيما اعتبرتها بعض الدول مخيبة للآمال، رأت فيها دول أخرى أفضل صيغة اتفاق يمكن التوصل له.

وقد تركزت مناقشات جلسات القمة على الحد من انبعاث غازات الدفيئة، وإبرام اتفاقية جديدة في هذا الميدان. ولا شك أن الاتفاق على صياغة اتفاقية ملزمة وإبرامها، في وثيقة تثبت التزامات الدول الأطراف فيها بتقليل الانبعاثات، يواجه صعوبات كبيرة بسبب تباين مواقف مختلف الأطراف الدولية.

وبعد أن واجهت مسيرة اتفاقية كيوتو عقبات كبيرة واعتراضات من بعض الأطراف الدولية، لم تلق تأييداً من الولايات المتحدة، وسينتهي سريان مفعول اتفاق كيوتو عام 2012، ما يجعل مشكلة الحد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري وتقليصه معلقة، ومن المفروض أن تستبدل هذه الوثيقة باتفاقية جديدة.

ومرة أخرى تعود مشاكل التوصل لاتفاق إلى دور الدول المشاركة، إذ أعلنت روسيا أنها سوف تسعى إلى خفض انبعاث غازات الدفيئة في الفضاء الخارجي حتى عام 2020، ومن الممكن أن يصل هذا التقليص إلى نسبة تبلغ 25% من مستوى عام 1990، خلافا لم أعلن في وقت سابق.

ولعل قرار رؤساء الدول والحكومات المشاركين في قمة المناخ في كوبنهاغن، بتكليف مساعديهم بإعداد وثيقة سياسية، عكس اتساع الهوة بين مختلف الأطراف الدولية، وتباعد وجهات النظر والمواقف حول مسؤولياتهم إزاء مشكلة انبعاث غازات الاحتباس الحراري. لذا كان من الواضح أن مؤتمر كوبنهاغن لن يسفر عن اتفاقية تحل محل بروتوكول كيوتو، وتم الاكتفاء بتبني اتفاق سياسي يحدد سير المحادثات حول المناخ في عام 2010.

ولا بد من القول إن الخلاف حول ملفات الحد من تلوث البيئة، والحفاظ على درجة حرارة الأرض التي زادت عن معدلها بمقدار درجتين، بتخفيض انبعاث الغازات الناتجة عن عملية التصنيع، يعود لسنوات سابقة، إذ كان اتفاق كيوتو يسعى لإلزام دول العالم بتخفيض انبعاث الغازات الناتجة عن عملية التصنيع بنسبة 5% من مستواها عام 1990، من أجل إزالة ظاهرتي الاحتباس الحراري والتلوث البيئي.

وتتطلب التزامات الحد من انبعاث الغازات نفقات باهظة، إضافة إلى أنها تحد بدرجة أو بأخرى من عملية التوسع والنمو الصناعي، وتقتنص من عائدات الشركات الصناعية أموالا لحماية البيئة، لذا كان من البديهي أن تواجه هذه الاتفاقية صعوبات في إقرارها والمصادقة عليها. وقد شكلت معارضة واشنطن لهذا النوع من الاتفاقيات عقبة كبيرة، باعتبار أن ربع كمية الغازات المنبعثة في العالم تنطلق من الولايات المتحدة.

وبعد أن وافقت واشنطن على الاتفاقية في عهد إدارة كلينتون دون أن تصادق عليها، أعلن بوش الابن انسحاب الولايات المتحدة منها وعدم تقيدها بها. كما أن قرار إعفاء الدول التي تقف على عتبة التصنيع، مثل الصين والهند والبرازيل، من خفض نسبة الغازات المنبعثة بسبب محدوديتها مقارنةً بالدول الصناعية، سيؤدي على المدى الطويل لتفاقم المشكلة، نظرا لأن هذه الدول تحقق تقدما ملحوظا في مجال الصناعة.

هذا بالإضافة لمشكلة انبعاث الغازات من وسائط النقل البحرية والجوية، التي تطلق كميات كبيرة منها، وتجاهلها سيؤدي لفشل هذه الاتفاقات في تحقيق نتائج ملموسة.

وقد كان من المتوقع أن تواجه قمة كوبنهاغن أزمات. ولعل الاتهامات البريطانية للصين، والتي اعتبرتها المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية يانغ يو تصريحات تأتي في سياق «مخطط سياسي واضح» يستهدف التهرب من المسؤولية تجاه الدول النامية وإثارة الانقسام بين تلك الدول، تعبر عن الخلاف الناجم عن محاولات العديد من الأطراف الدولية التهرب من مسؤوليتها، لحماية أموال شركاتها.

فشل قمة كوبنهاغن في التوصل إلى اتفاقية لإنقاذ العالم من خطر الانبعاثات والتغيرات المناخية، كان نتيجة لخلاف واضح بين الدول المتقدمة والنامية، فجاءت نتائج القمة مخيبة لآمال العالم، لأن الاتفاقية التي لم يوقع عليها جميع البلدان، لا توجد فيها أهداف ملزمة لخفض انبعاث الغازات بالنسبة للدول الصناعية.

كما أن القرارات حول نسب تخفيض الانبعاثات ونسب التمويل ومصادرها، خرجت بنسب لا تحمل أي أرقام.

وأسقطت بنود الاتفاقية، البند الخاص بتحديد المهلة المعطاة للتوصل إلى اتفاقية ملزمة قانوناً، والتي حددت بنهاية عام 2010، وتلتزم مسودة الاتفاق بهدف تحديد الارتفاع في حرارة العالم، إلى درجتين مئويتين كحد أقصى.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail