هل نحن حقا أمة مهزومة لا نعرف من تاريخها سوى الهزائم؟ أم أمة منتصرة لا نعرف من تاريخها سوى الانتصارات؟ أم أمة صنعت الانتصارات غالبا، مثلما واجهت الهزائم أحيانا؟ الثابت أن شعوبنا في الأمة العربية والإسلامية قد تواجه الهزيمة في معركة أو حتى في مرحلة، لكن شعوبها في كل المراحل لا تعرف الاستسلام، لسبب بسيط هو أن ثقافة الكفاح لديها لا تعرف هدفا لها سوى النصر أو الشهادة، والحياة بكرامة أو الموت بشرف..
كل الأمم غيرنا واجهت الانتصارات وواجهت الهزائم على مر التاريخ، الأميركان هزموا في «بيرل هاربور» على يد اليابانيين وفي معركة «سايغون» على يد الفيتناميين، والإنجليز هزموا في «دنكرك». وسقطت فرنسا تحت الاحتلال الألماني، ووصلت الجيوش الألمانية إلى داخل الاتحاد السوفييتي حتى «ستالينغراد».. ثم استسلم اليابانيون بعد ضربهم بالقنابل الذرية، والألمان استسلموا للحلفاء بعد أن أنهكهم التمدد على جبهة كل أوروبا..
ومع ذلك لا يرى دعاة الهزيمة بيننا في تاريخنا سوى الهزائم، بينما يتجاهلون الانتصارات خدمة لأعداء الأمة!
ونحن كأمة من بين الأمم تتمسك شعوبها المناضلة بحقوقها وحريتها وكرامتها، واجهت وما زالت تواجه أعتي القوى الاستعمارية وأكثرها خبثا، وعرفت الانتصارات وحققت استقلالها، وكانت أطول وأروع معاركها في الجزائر على مدى 132 عاما قدمت فيها مليونا ونصف مليون شهيد ثمنا لحريتها، وكانت أعظم وأمجد معاركها في مصر مرتين، الأولى عام 1956 في المواجهة الشعبية المنتصرة للعدوان الثلاثي على بورسعيد والإسماعيلية والسويس، والثانية في حرب رمضان المنتصرة بتحرير سيناء عام 1973.
وبين الانتصارات والهزائم ظلت المقاومة الشعبية العربية والإسلامية تواصل معاركها وصمودها وانتصاراتها على عدوان الاحتلال الصهيوني في فلسطين ولبنان، وعدوان الاحتلال الأميركي في العراق وأفغانستان.
وحققت انتصارات جزئية على طريق التحرير الكامل، سواء في معركة تحرير جنوب لبنان عام 2000 أو انتصار المقاومة الشعبية اللبنانية على العدوان الإسرائيلي عام 2006، أو في معركة العدوان الوحشي الإجرامي المدان دوليا وإنسانيا على غزة التي نعايش الآن الذكرى الأولى لوقوعها.
وواجهت الهزائم وما زالت تقاوم في فلسطين والعراق وفي أفغانستان لكنها لا تستسلم أبدا، وقد تسقط في معاركنا قطعة من أرضنا تحت احتلال الأعداء، لكن العظيم في شعوب أمتنا أن أي قطعة من إرادتها غير قابلة للسقوط.. ومع ذلك قد نكون في هذه المرحلة الصعبة من تاريخنا أمة مأزومة لا منتصرة ولا مهزومة.
تتشابه أحداث حركة التاريخ ولا تتكرر، وتتشابه معاركنا التي تواجهها شعوبنا العربية والإسلامية اليوم، مع عودة السياسات الإمبراطورية الاستعمارية الجديدة بالإملاءات والإنذارات والتهديدات، وبسياسة العدوان والغزو والاحتلال لكل الدول والشعوب والقيادات التي ترفض الهيمنة وترفض الخضوع لمشاريعها ولسياساتها، بما لا يختلف كثيرا عن سياسات الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة التي انتهت مع نهاية الفصول التاريخية المجيدة والمثيرة لحرب السويس، الفاصلة بين عصرين، عصر ما قبل السويس وعصر ما بعد السويس.
فقد صنعت السويس بآثارها الزلزالية على الإمبراطوريات الاستعمارية معادلات استراتيجية جديدة، ليس في المنطقة العربية فقط، ولكن في علاقات القوى الكبرى على الخريطة العالمية أيضا.
تستعيد ذاكرة الأمة تلك الأيام التاريخية في مصر التي حدثت في مثل هذه الأيام، والتي امتدت من 26 يوليو عام 56 مع تأميم قناة السويس، مرورا بالعدوان الثلاثي الفاشل في 29 اكتوبر، وانتهاء بالثالث والعشرين من ديسمبر عام 56، ذكرى يوم الانسحاب الاستعماري المهين ويوم النصر المصري العظيم، بفشل الحملة العدوانية الثلاثية الإنجليزية الفرنسية الصهيونية على بورسعيد، وانتصار المقاومة الوطنية المصرية التي جمعت الجيش والشعب معا حول قيادة جمال عبد الناصر التاريخية التي لم ترهبها إنذارات الدول الكبرى.
ورفضت من على منبر الجامع الأزهر الشريف الاستسلام لتهديداتها، وصممت على المقاومة ومواجهة عدوانها، مرددة نشيدها الخالد «الله أكبر» ليشهد العالم عصرا تحرريا جديدا مع بداية انحسار عصر الاستعمار القديم.
وهكذا تكونت ملامح المشهد العالمي الجديد بين قوى التحرر والمقاومة، وقوى الاحتلال والهيمنة وقوى التبعية والمساومة، وولد مد قومي عربي هائل تجلى في مطاردة الاستعمار بلا هوادة في البلاد الواقعة تحت الاحتلال، وأبرزها المقاومة الوطنية الجزائرية ضد الوجود الاستيطاني الفرنسي حتى تحقق الاستقلال عام 62، ومد شعبي ثوري وطني تجلى في إسقاط الحكومات الواقعة تحت النفوذ الاستعماري الانجليزي.
خصوصا بثورة 14 يوليو التي أسقطت سياسة الأحلاف في العراق عام 58 لتدفع حكومته ثمن تأييدها للعدوان الثلاثي على بلد عربي شقيق، ومد تحرري مقاوم في العديد من بلدان آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، انتهى بغروب شمس الاستعمار عن الإمبراطوريات المسيطرة التي لم تكن تغيب عنها الشمس.
لكن الذين يعرفون ردوا بالوثائق وبالوقائع وباعترافات وشهادات ساسة وقادة المعتدين، على دعاوى الهزيمة، وبعيدا عن مفردات الهزيمة والنصر بما كشف حقيقة المؤامرة الإمبراطورية الاستعمارية المستمرة بصورها القديمة والجديدة، التي انكسرت وتراجعت أكثر من مرة أمام إرادة الشعوب. ومن شاهد وتابع حلقات الكاتب الصحافي الكبير الأستاذ هيكل على قناة الجزيرة، سوف يعرف ما هو أكثر.
والذين يفكرون بعقلية المساومة والهزيمة، وينكرون قدرة الشعوب على المقاومة والنصر، يمكنهم أن يسألوا أنفسهم أو يقرأوا مذكرات انهيار إيدن وسقوط مولييه وتواري بن غوريون مع الانسحاب من سيناء، فيما بقى عبد الناصر ليواصل مع المقاومين في العالم رفع إعلام الحرية ورايات الاستقلال، ليتأكد الجميع في النهاية أننا نظلم أنفسنا بإشاعة أننا أمة ضعيفة أو مهزومة.
ومع احتفالنا اليوم بالذكرى الثالثة والخمسين ليوم النصر المصري والعربي، ربما نكون أمة مأزومة، ولكننا لم نكن ولن نكون أمة مهزومة.
كاتب مصري