عندما نضع عنواناً كهذا، فمعروف أن المقصود هم الشباب والشابات الذين بين الثامنة عشرة والثلاثين من العمر. هؤلاء طاقة حيوية متجددة، والقوة الأكثر حماساً وإنتاجاً وفاعلية، ويراهن كثير من الدول على شبابها في حاضرها ومستقبلها. ولهذا القطاع أهمية كبيرة في بناء المجتمعات وتطورها، وذلك يعني أن المراهنة ليست على كم عدد الشباب في المجتمع، وهو كبير بطبيعة الحال.

ولكن بمدى فاعلية وإيجابية هؤلاء الشباب والشابات لخدمة مجتمعاتهم، سواء في مجال العمل أو في الشأن العام، عن طريق العمل التطوعي ومؤسسات المجتمع المدني. الآن ما هو واقع الشباب في دول مجلس التعاون الخليجي أو في دولة الرفاه في العصر النفطي؟

إن طرح مثل هذا السؤال لا نريد من خلاله أن يجيب كاتب هذه الأسطر عليه، بقدر ما نهدف منه مناقشة هذه القضية ليساهم القارئ معنا في الإجابة عليه.

مما لا شك فيه أننا نعيش في عصر يشهد تحولات ومتغيرات كثيرة، بعضها يتعلق بالقيم في مجتمعاتنا ومدى تأثرها بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي نعيشها، وبعضها له علاقة بقضايا مستجدة على مجتمعاتنا مثل: الزيادة في عدد السكان، وطغيان عدد الوافدين على المواطنين، والرخاء الاقتصادي، وهشاشة التعليم والثقافة، مما نتج عنه اختلال وبطالة مقنعة أصابا قطاع الشباب قبل غيره من القطاعات. وقبل تحديد مسؤولية ذلك، لا بد من ذكر بعض المشكلات والظواهر التي يعيشها الشباب في دولة الرفاه الخليجي في عصرنا، لأن الهدف تشخيص المشكلات والتنبيه إلى آثارها، ومن ثم محاولة اقتراح بعض الحلول لها.

أولاً: الاختلال في القيم، لقد درج التطور الاجتماعي في مجتمعاتنا الخليجية على قيم تقليدية ورثها الأبناء عن الآباء، وعززتها العلاقات الاجتماعية والمدرسة في بداية التعليم النظامي الحديث. بيد أن هذا الوضع سرعان ما تغير، لأن تحولات ومتغيرات عديدة مرّت بها شعوبنا في فترة زمنية وجيزة، فجاءت ثروة كبيرة لمجتمعات صغيرة قليلة السكان.

وشهدت دول المنطقة أولاً هجرة قبلية من الصحراء والمناطق المجاورة، وتوطنت تحمل قيم البادية والدول الأخرى التي جاءت منها، وشهدت دول المنطقة ثانياً، هجرة كبيرة وافدة للعمل، لأن المنطقة كانت بحاجة إلى اليد العاملة والفنيين والمتخصصين بأعداد كبيرة لا تتوفر بين المواطنين.

ثم بمرور الوقت زاد عدد السكان، مواطنين ووافدين، ولم يعد التعليم نوعياً بل أصبح كمياً، ومع وتيرة التطور الاقتصادي السريع لم يواكبه تطور اجتماعي ومعرفي وثقافي، بل كانت وتيرته أبطأ وأقل. كذلك شهدت مجتمعاتنا تفكك العائلة الكبيرة الممتدة، إلى عائلات صغيرة. كل ذلك كان ولا يزال له انعكاسات على الشباب، الذين يتأثرون حتماً بتغير القيم بين المدينة والصحراء وبين المواطن والوافد.

ولم يحدث انصهار للقيم، فأصبح جيل الشباب في العموم لا يعرف ما يريد، كما أن دولة الرفاه لم تعط هذا المتغير القيمي أهمية بل تركته للزمن.

ثانياً: تأثير الثروة على الشباب، فقد وجد الشباب أنفسهم في دول توفر لهم كل شيء في ظل الدولة الريعية، وتربى على أنه يأخذ ولا يعطي، فالدخل في هذه الدول جيد ويشكل الشباب أكبر قوة من الطبقة الوسطى ومعظم العاملين المواطنين في مؤسسات الدولة.

وبمرور الوقت يحدث التضخم الوظيفي ويقل الإنتاج مع زيادة الدخل، فتكون النتيجة خللاً بنيوياً لأن دولة الرفاه تفتقد الرؤية الاستراتيجية للتنمية، التي توظف طاقة الشباب في مجالات إنتاجية فعلية تحتويها وتؤطرها تلك الاستراتيجية.

ثالثاً: قصور معرفي وثقافي، حيث نعيش حالة من عدم التوازن التعليمي والثقافي، ليس ذلك فحسب، ولكن نعيش أيضاً ضعفاً علمياً وثقافياً ضحيته الشباب قبل غيرهم.

ولأن موجة التطور الاقتصادي كبيرة وسريعة، فقد جرفت كل شيء أمامها ليدور في فلكها، فلم يعد الاهتمام بالتعليم للتنمية، ولا الثقافة للوعي والتنوير، ولكن من أجل دخل يوفر لكل منا حياة استهلاكية مرفهة، ولم يعد الشأن العام وتطور المجتمع ومستقبله تعني أغلبيتنا.

وحتى لو أراد بعضنا مراجعة النفس أو تقييم التجربة وإعادة تأهيل الجيل الجديد، فإن ذلك غير ممكن في ظل الأوضاع القائمة أو أن الوقت بات متأخراً. وحتى لو تم التركيز على الجيل الجديد فإن عقلية وسلوك هذا الجيل ـ رغم اختلافه ـ هي نتاج الواقع، والواقع نفسه مريض، وفاقد الشيء لا يعطيه.

لكن في كل المجتمعات وفي كل الأزمان هناك نخبة متعلمة ومثقفة، تقع عليها ليس مسؤولية ترميم الحاضر، بل تغيير العقلية والسلوك بمنهج علمي وثقافي موضوعي، يبدأ من المدرسة في المرحلة الابتدائية.

إن نهضة الشعوب عن طريق فكر نخبتها ودور مثقفيها وعلمائها، هو الذي يجلب الرخاء المادي والحضاري، وليس العكس، وتجارب العالم عبر التاريخ وفي تاريخنا المعاصر تشهد على ذلك.

ولا نريد أن نتكلم عن حلول وطموحات نظرية دون أن يكون لها أساس على أرض الواقع، فما أسهل التنظير، ولكن علينا مسؤولية التصدي لهذا التحدي بعقلية علمية وعقلانية موضوعية، فمن يتحمل المسؤولية ومتى يبدأ المشوار لبناء جيل قد يواجه صعوبات ما بعد دولة الرفاه؟!

كاتب كويتي

dr.tamimialek@yahoo.com