يبدو السؤال: هل الرأسمالية في خطر؟ سؤالا مشروعا جدا الآن، وبشكل خاص في أعقاب الأزمة المالية التي بدأت عام 2008. ورغم أن السؤال يبدو مفارقا للواقع، في ظل عدم وجود حركات ثورية فعلية تواجه الرأسمالية وتمثل تهديدا حقيقيا لها، فإن الواقع الراهن يفرضه ويحتم الإجابة عنه، في ظل الظروف القاسية التي يواجهها المشروع الرأسمالي اليوم.
فمع تفكك الاتحاد السوفييتي والانهيارات الهائلة التي أصابت الكتلة الاشتراكية، تصور البعض نهاية للتاريخ ووقوفا جامدا على عتبات الرأسمالية، النظام الأكثر صلابة وتماسكا الآن.
ومما ساعد على هذا الاعتقاد، عدم وجود أي نظام آخر حول العالم يتبنى أيديولوجيا مضادة للرأسمالية ومهددة لها، بما في ذلك الحركات الإسلامية، مع الوضع في الاعتبار أن المجتمعات الإسلامية ذاتها، من أكثر المجتمعات تشابكا مع المشروع الرأسمالي، في هيئته الاقتصادية على وجه الخصوص.
وفي ظل ما قامت به الحكومة الأميركية من مواجهة لأعباء الأزمة المالية وكبح لجماح الركود الحالي، فقد تصور البعض أن النظام الرأسمالي نجا بأفعاله وجرائمه التي اقترفها منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن. وما حدث في الواقع هو أن النظام الرأسمالي على الطريقة الأميركية قد أجل انهياره إلى حين، وليس إلى الأبد كما يتصور البعض.
وهذا التأجيل لا يخفي بأي حال من الأحوال المشكلات العميقة التي تواجهها الرأسمالية، وبشكل خاص في مراكزها الكبرى في أميركا والدول الأوروبية. وهي مشكلات وأزمات داخلية أكثر منها خارجية، وهو ما يعني أن الانهيار القادم يرتبط بمأزق الرأسمالية ذاتها، وأسسها القائمة على الاستغلال وتركز عناصر القوة والأموال في أيدي فئات وشرائح اجتماعية محدودة ومهيمنة.
ولا يخفى على أحد العديد من الأزمات التي يواجهها الغرب الآن، وعلى رأسها وجود شرائح عديدة تعاني من الفقر ووطأة الأزمة المالية الراهنة، وارتفاع ديون العديد من الحكومات الغربية، إضافة إلى تكلفة الحروب الخارجية.
ولا ينبع الخوف على الغرب، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأميركية، من الإفراط الواسع المدى في التدخل الخارجي في شؤون الغير، بقدر ما ينبع من ضعف ثقة المواطنين في المشروع الرأسمالي بشكل عام، وعدم ثقتهم بأداء الحكومة الأميركية في تسيير شؤون الأفراد.
ويمكن القول إن ثقة العديد من المواطنين قد ضعفت في النظام الرأسمالي الأميركي، بشكل خاص بعد الأزمة المالية الكونية عام 2008. فقد جاءت الأزمة كاسحة وكاشفة عن عمق الخلل في النظام المالي الأميركي، وحجم الفساد الهائل المستشري في مؤسساته.
ولم يقف الأمر فقط عند الأزمة، لكنه تعداها إلى النتائج المرتبطة بها، والكيفية التي تعاملت بها الحكومة الأميركية معها. فالمواطنون الأميركيون صُدموا حينما وجدوا حكومتهم تمد يد العون للمؤسسات المالية المنهارة، بديلا عن مساعدة الأفراد أنفسهم.
لقد كانت مساعدات الحكومة الأميركية تعبيرا واضحا عن نظام القوة، وكون النخبة المالية القوية هي التي تحدد ما يجب صرفه وما لا يجب. ففي الوقت الذي حصل فيه العاملون في وول ستريت على علاوات ومرتبات هائلة، كانت نسبة كبيرة من الأسر الأميركية تكافح من أجل مواجهة تداعيات الأزمة المالية.
وهو أمر انعكس على تفضيلات المواطن الأميركي نحو الرأسمالية في استطلاعات الرأي، حيث منحها نسبة قليلة لا تزيد كثيرا عما منحه للاشتراكية، كما أن نسبة لا يستهان بها لم تقرر أي النظامين تفضل.
وتعتقد نسبة كبيرة من الأميركيين أن الضرائب المفروضة على الشركات الكبرى ضئيلة جدا، ولا تتناسب مع حجم الأرباح الهائلة التي تحصل عليها، وأن قلة من هذه الشركات لديها قوة وتأثير كبيران على رسم السياسات في واشنطن.
من هنا فإن نسبة من يعتقدون بأن هذه الشركات تعمل فقط من أجل تدعيم مصالحها الخاصة وزيادة أرباحها، بالتضاد مع الفوائد العائدة على الأفراد العاديين، تتزايد باستمرار. كما أن العديد من المواطنين يؤكدون على انعدام الثقة في شركات السجائر والنفط والتأمين والاتصالات والأدوية، وغيرها من الشركات الأخرى التي ترتبط مباشرة بحياتهم اليومية.
ومما زاد من متاعب النظام الأميركي، الارتفاع الهائل في نسبة البطالة، وهي مسألة يحاول النظام مواجهتها بشكل كبير، حيث نجح في تخفيضها إلى حد ما.
كما تبرز سوءات الرأسمالية الأميركية في تحولها نحو تركز الثروات بشكل كبير بين أيدي الصفوات المالية، وتحويل العملية الانتخابية إلى صراع بين فردين يمثلان الحزبين الكبيرين في أميركا، وغلق الاختيارات أمام الناخبين الأميركيين.
من هنا فإن أبرز مخاطر الرأسمالية الحالية، تتمثل في تركز الثروات والقوة السياسية في أيدي طبقات محدودة في المجتمع الأميركي المعاصر، وهي مسألة كشفت عنها الأزمة الراهنة بشكل واضح وجلي.
إن إنقاذ النظام الرأسمالي لن يتم إلا من خلال تقليل تركز القوى والثروات، وتوسيع قاعدة الجماهير والمشاركة السياسية، وهي الجوانب نفسها التي يحتاجها العالم العربي، الذي لا نعرف لأنظمته توجها أو نظما سياسية بعينها، والذي لا يحاول أن يصحح أوضاعه وأنظمته السياسية والاقتصادية، كما تحاول المجتمعات الرأسمالية تحقيق ذلك!
كاتب مصري