يبدو أن الكويتيين أصبحوا كأهل بيزنطة الذين ظلوا يتجادلون زمناً طويلاً حول من الأول: الدجاجة أم البيضة، وظلوا على أمرهم هذا بين قائل بأن الدجاجة هي التي تبيض ومن ثم فهي الأولى والأسبق، وآخرين يقول بأن البيضة قد وجدت قبل الدجاجة.. إلى أن غزاهم أعداؤهم في عقر دارهم وهم على هذا الحال من الجدل العقيم!

وربما كان أهل بيزنطة أفضل حالاً، ذلك أن جدلهم وإن كان عقيماً ومضيعة للوقت ولغواً فارغاً، فإنه لم يكن كما يجري في الكويت حالياً من حديث وجدل يشق وحدة الصف الوطني ويهدد بتهتك النسيج الاجتماعي.

فما كادت الكويت تتنفس الصعداء في الأيام الأخيرة من سيل استجوابات شغلت الرأي العام وعطلت أعمال مجلس الأمة ووترت الأجواء، حتى اشتعلت الأجواء مرة أخرى منذرة بعواقب وخيمة أشد خطورة مما سبق.

إذ تجمع آلاف المواطنين من جميع مناطق الكويت ومن مختلف مشاربها، من أبناء القبائل والحضر، السنة والشيعة، ومن الرجال والنساء السبت الماضي 19/12 أمام ديوانية النائب مسلم البراك، أحد أقطاب المعارضة في مجلس الأمة الكويتي وعضو التجمع الشعبي، للتنديد بما بثته قناة «السور» من تهجم على أبناء القبائل والتشكيك بولائهم الوطني والترويج بأن الكثير منهم من «مزدوجي الجنسية»، بمعنى أنهم يحملون جنسيات أخرى غير الكويتية وما زالوا يحتفظون بها!

وقناة «السور» تلك هي قناة تعود ملكيتها لمرشح سابق لمجلس الأمة اسمه محمد الجويهل لم يفلح في الفوز بمقعد نيابي، أما تسميتها ب«السور» فذات دلالات اجتماعية وتاريخية بالنسبة للكويتيين، ولا بأس من توضيحها للقارئ الكريم البعيد عن تفاصيل الحياة المحلية في الكويت.

فالمراد بتلك التسمية هو سور الكويت الذي بني على ثلاث فترات، الأولى في العام 1798 والثانية في العام 1814، أما السور الأخير فبني في العام 1920، وبعد توسع مدينة الكويت عمرانياً إثر ظهور النفط، تم هدمه في فبراير 1957.

ويعتقد بعض الكويتيين من سكان السور، أن الكويتيين الحقيقيين هم أبناء السور مع سكان القرى الأصليين الذين يسمون محلياً ب«القرويِّة» (بتسكين القاف ولفظه جيماً مصرية)، مع عدد محدود من القبائل التي كانت تابعة للكويت منذ نشأتها، والتي كانت لها امتدادات داخل السور.

أما البقية الباقية من الكويتيين ـ بحسب نظرة هؤلاء ـ فهم ليسوا كويتيين ولا يستحقون حمل جنيستها، وقد حصلوا عليها في فترة ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بعمليات التجنيس المكثفة التي كان يراد منها التحكم في نتائج العملية الانتخابية. ويدعي هؤلاء أيضاً أن الكثير من هؤلاء ما زالوا يحتفظون بجنسياتهم الأصلية، فيستفيدون من الخدمات المقدمة لهم في دولة الكويت، وربما استفادوا أيضاً من بعض الامتيازات في مواطنهم الأصلية!

وقد طرح الجويهل مثل هذه الآراء علناً حينما كان مرشحاً يخوض الانتخابات، وطرح آراء شبيهة بتلك بعض المرشحين الآخرين، مثل النائب الحالي علي الراشد (ولو بلهجة مختلفة) الذي قدم سؤالاً نيابياً لوزير الداخلية، حول إفادته بكشف عن مزدوجي الجنسية وما تقوم به الوزارة لتطبيق قانون الجنسية الذي يحرم ازدواج الجنسية.

وقد لاقى مثل هذا التوجه الامتعاض من الكثيرين، لأنه يدخل الحكومة في موضوع شائك لا يعالج عبر وسائل الإعلام، وبشكل يثير ردود فعل لأنه يشير بالباطن وبالغمز واللمز إلى أبناء القبائل، بل يتم علاجه في أروقة الحكومة الهادئة وفي لجانها القانونية، ويتم التعامل معها كحالات فردية.

وما أثاره النائب علي الراشد عندئذ، لقي ردود فعل قوية تجلت في تصريحات النواب وفي المقالات الكثيرة التي كتبت حول الموضوع، وكان منتقدوه يشيرون إلى أنه لم يعن بازدواج الجنسية أولئك الذين يحملون الجنسيتين الكويتية والأميركية، وبعضهم من علية القوم!

ومن المعروف أن الكثيرين من أبناء المبتعثين من الطلبة الكويتيين في مراحل الدراسات العليا من المتزوجين الذين رزقوا بأطفال، وهؤلاء (كما غيرهم) حسب قوانين الجنسية أميركيون بصفة أصلية، وإن كانوا من آباء أجانب، لا يدخلون الأراضي الأميركية إلا بجوازها، إلى أن يبلغوا سن الرشد فيختاروا بين جنسية آبائهم أو يستمروا في جنسيتهم الأميركية. وثمة عدد (غير معروف) من هؤلاء بلغوا سن الرشد وهم محتفظون بالجنسيتين.

ولعل هذا الجو من الاستقطاب حول من يكون «الكويتي الأصلي»، فضلاً عن أنه هادم للوحدة الوطنية، فإنه لا يساعد على حل بعض المعضلات التي يعاني منها المجتمع الكويتي كحل «قضية البدون».

فما دامت الأجواء متشنجة بهذه الصورة، فحظ البدون في الحصول على الجنسية الكويتية سيكون محدوداً، حتى لو انطبقت عليهم شروط اكتساب الجنسية، وبالتالي ستبقى المشكلة لتولد مشكلات أخرى مع تقادم الوقت وظهور جيل خامس من هؤلاء.

يأمل جميع العقلاء في الكويت أن تزول هذه الغمامة، وأن يرجع الجميع إلى رشدهم، وأن تلجم تلك الأصوات التي تريد تفتيت الوحدة الوطنية باللعب بالنار من أجل التكسب السياسي.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com