في مطلع الأسبوع انتشرت شائعة في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، بأن انقلابا عسكريا صار وشيك الوقوع. ربما كانت الشائعة «فالصو»، لكنها لم تكن بلا مبرر، فقد انطلقت عقب صدور حكم قضائي بإلغاء قرار كبير كان قد صدر عن الرئيس السابق الجنرال برويز مشرف، بالعفو عن سياسيين ورجال أعمال وموظفين كبار متورطين في اتهامات بالفساد. وفي مقدمة السياسيين رئيس الجمهورية الحالي آصف زرداري.
إذن، فإن شائعة الانقلاب مبررة من وجهين: فالسيد زرداري هو حليف أمريكا الأول والأكبر في باكستان، ومن ثم ليس مستبعدا أن توعز الولايات المتحدة إلى قادة المؤسسة العسكرية للقيام بتحرك انقلابي من أجل إنقاذ زرداري ونظامه. أما الوجه الثاني فيتمثل في أن قائمة كبار المسؤولين المتهمين بممارسات فاسدة، تشمل عددا من كبار ضباط الجيش بما لا يجعل القيادة العسكرية العليا بحاجة إلى إيعاز أمريكي لتحرك انقلابي بهدف إنقاذ الذات.
بصورة عامة يبدو أن الأمور في باكستان وصلت إلى مفترق طرق. ومن هذا المنظور فإن الحكم القضائي المشار إليه، والذي شارك في إعداده نحو 16 من كبار القضاة، يبدو وكأنه يعكس تذمرا شعبيا متصاعدا ضد الوجود العسكري والاستخباراتي الأمريكي.. مما يعيد إلى الأذهان حركة الاحتجاج الجماهيري الهادر في عامي 2007 و2008.
تلك الحركة الاحتجاجية ضد حكم الجنرال مشرف المدعوم أمريكيا، ابتدرها وقادها كبار القضاة وفي مقدمتهم قاضي المحكمة العليا افتخار شودري. إنهم نفس القضاة الذين أصدروا الآن حكم إلغاء قرار العفو الذي اتخذه مشرف.
لكن الحركة الاحتجاجية السابقة أجهضت بتدبير أمريكي. كانت صفقة سياسية برعاية أمريكية بين بينظير بوتو رئيسة «حزب الشعب الباكستاني» الذي فاز في الانتخابات البرلمانية آنذاك، والرئيس العسكري مشرف يقتسمان بموجبها السلطة.. فيبقى مشرف رئيسا للجمهورية، بينما تتولى السيدة بوتو منصب رئيس الوزراء.
وفجأة وفي أواخر عام 2008 جرى اغتيال السيدة بوتو. ورغم ان التحقيقات لم تتوصل إلى نتيجة حتى هذه اللحظة، إلا أن من المعتقد ان الحادثة كانت تدبيرا من أجهزة الأمن الأمريكية. فمن المؤكد، كما ظهر لاحقا، أن الأمريكيين كانوا يفضلون العمل ليس مع السيدة بوتو وإنما مع زوجها، ولذا كان المطلوب تصفيتها لافساح المجال لصفقة جديدة تعقد معه.
ومن هنا بدأ تطبيق سيناريو أمريكي جديد: إقصاء مشرف المحترق شعبيا، وتنصيب زرداري رئيسا.
لكن زرداري كان يواجه اتهامات جنائية تتعلق برشاوى وعمولات في صفقات حكومية مع شركات أجنبية، ومن هنا كان قرار مشرف قبل مغادرته السلطة وبإيعاز أمريكي، بإصدار عفو عن اتهامات زرداري.
الآن نشأ موقف جديد تماما. صحيح أن زرداري يتمتع بحصانة بحكم مركزه كرئيس للجمهورية، ولكن كما يفيد قرار القضاة فإن قرار العفو أصلا قرار سياسي وغير قانوني، وينطوي على انتهاك للدستور، وبالتالي فإن من السهل الطعن فيه، بحيث يمكن أن يقال إن العد التنازلي لجلب الرئيس إلى العدالة ليواجه اتهامات الفساد قد بدأ بالفعل أو أوشك.
ولكن، هل تتخذ الولايات المتحدة موقف المتفرج السلبي، وهي ترى حليفها الباكستاني الأكبر في «الحرب على الإرهاب» يغادر السلطة العليا اضطرارا، في وجه حملة قضائية مسنودة بحركة احتجاج شعبي، تشارك فيها بصورة بارزة تنظيمات إسلامية راديكالية تدعم حركة طالبان بشقيها الباكستاني والأفغاني؟
تدخل المؤسسة العسكرية الباكستانية للاستيلاء على السلطة بدعم أمريكي، ليس مدعاة للاستغراب. وهكذا عاشت باكستان سلسلة من الأنظمة الاستبدادية العسكرية الموالية لواشنطن: نظام الجنرال أيوب خان في خمسينات القرن الماضي، ونظام الجنرال ضياء الحق في السبعينات والثمانينات، ونظام الجنرال مشرف في التسعينات وما بعدها.
تأسيسا على ذلك لا ينبغي استبعاد احتمال قيام انقلاب عسكري في باكستان خلال الشهور المقبلة، وربما الأسابيع. لكنه احتمال ذو وجهين: فإما أن يكون.
كما جرت العادة، حركة تتولى أمرها القيادة العليا للجيش الموالية للأجندة الأمريكية في سياق الحرب على الإرهاب. وإما أن يكون حركة راديكالية عسكرية تدبرها وتنفذها مجموعة من الضباط من ذوي الرتب المتوسطة والصغيرة، في تجاوب مع حركة الشارع الاحتجاجية.
وفي هذا الصدد تشير الصحافة الغربية إلى حالة متنامية من التذمر في صفوف الضباط، ضد الاستراتيجية الأمريكية التي تهدف إلى تغيير العقيدة القتالية التقليدية للجيش الباكستاني المبنية على مواجهة الاحتلال الهندي في إقليم كشمير، لتوجيهها إلى عقيدة ضد حركة طالبان الإسلامية في كل من باكستان وأفغانستان.
وهكذا فإن شائعة الانقلاب في إسلام أباد مطلع الأسبوع، لم تنبع من فراغ.
كاتب صحفي سوداني