إصلاحات الرعاية الصحية الأميركية أصبحت في غرفة الإنعاش الآن، وحان الوقت لنطلق عليها رصاصة الرحمة ونتركها تموت بسلام. كانت فكرة عظيمة، وكانت وستظل هناك حاجة كبيرة لإصلاحات جذرية من هذا النوع، ترفع قبضة «وول ستريت» ومجالس إدارات الشركات الكبرى عن رقبة الرعاية الطبية في بلدنا.

ولقد لمسنا بعضاً من تلك الإصلاحات في المسوّدات الأولى التي بدأت رحلتها الطويلة عبر حقول الألغام في مجلس الشيوخ الأميركي، لكن عصبة متآمرة من الديمقراطيين المحافظين والجمهوريين الجاهلين، ظلت تقاتل بشراسة على طول الخط لإسقاط مشروع قانون الإصلاحات.

ومشروع القانون الذي قد يقدر له بمعجزة ما ان يشق طريقه إلى التصويت العام في مجلس الشيوخ السنة المقبلة، يبدو الآن أشبه ببقايا حشرة امتص العنكبوت كل دمها، ولم يتبق منها سوى قشرة خاوية عالقة على شبكته.

لقد حدثت كل الأخطاء التي يمكن أن تحدث في إصلاحات الرعاية الصحية. ورئيسنا الجديد الذي وصل إلى سدة الحكم واعداً بأنه سيفعل أي شيء لتمرير إصلاحات الرعاية الصحية، لم يفعل سوى القليل في وجه هجوم مراكز الثقل المالي، الذي شنه جيش من جماعات الضغط التي تمثل مصالح شركات الصناعات الدوائية الكبيرة، وصناعة التأمين الصحي وأقطاب أخرى من صناعة الرعاية الصحية الربحية.

بدأ أوباما رحلته بخسارة جولته الأولى أمام هجوم كبرى شركات الصناعات الدوائية، في مؤتمره الصحافي بالبيت الأبيض مع المدراء التنفيذيين لتلك الشركات. فلقد تنازل عن جزئية أساسية، وهي فكرة قيام الحكومة الفدرالية بالتفاوض مع الشركات من أجل خفض أسعار الأدوية التي نحتاجها، مقابل وعود فارغة ب«تبرع» الشركات بتقديم تخفيضات طوعية بقيمة 80 ملياراً على تلك العقاقير.

إلا أن أكبر أخطائه على الإطلاق تمثل في ترك الأمر للكونغرس، للتفاوض بشأن رزمة الإصلاحات الإجمالية في اجتماعات مغلقة لستة سيناتورات هنا وعشرة هناك، في لجان يسيطر عليها نواب باعوا أصواتهم مسبقاً لشركات الرعاية الصحية.

أين كانت تكمن أهمية القيادة الشجاعة الجسورة لإنجاح هذه المبادرة التي نحن في أمس الحاجة لها؟ بدلاً من أن يعلن منذ البداية أنه لن يوقع على أي مشروع قانون لا يتضمن خيار الدفع من طرف واحد، وهو اللاعب النزيه الوحيد في لعبة البوكر المليئة بالغش والاحتيال، والمنافسة الحقيقية الوحيدة التي يمكن أن تكبح طمع الشركات التي تمتص أرباحا بهامش 20% وأكثر من كل دولار ينفق على أقساط التأمين الصحي، أوحى أوباما للخصوم بأن كل شيء قابل للتفاوض.

وبينما كان البيت الأبيض يقف مكتوف الأيدي الصيف الماضي، كانت صناعة الرعاية الصحية تضخ الأموال بمعدل 5,3 ملايين دولار في اليوم، لتنظيم حملة ضغط مكثفة تهدف إلى قتل مشروع القانون، أو على الأقل تفريغه من محتواه.

وذهب بعض ذلك المال إلى تنظيم جماعات من المتظاهرين المناهضين للإصلاح، وتمويل نقلهم إلى اجتماعات البلديات في مختلف أنحاء البلد، حيث كانت مهمتهم إسكات أي صوت يعلو في المناظرات للحديث عن مدى حاجتنا الماسة لإصلاح نظام الرعاية الصحية. ولقد خلق هؤلاء فكرة زائفة، مفادها أن مشروع القانون المقترح سوف يشكل لجانا بيروقراطية فدرالية، لحرمان المسنين من حق الرعاية الصحية.

لكن في حقيقة الأمر فإن هذه اللجان موجودة بالفعل الآن، مجسدة في الشركات نفسها التي تبيع تأمين الرعاية الصحية وتقرر كل يوم أن تلغي التغطية كما يروق لها، لتمنع بذلك الرعاية الصحية عن الأشخاص الأكثر حاجة لها. وفي ظل نظام الرعاية الحالي في أميركا اليوم، فإن محاسبي الشركات الكبرى، وليس الأطباء، هم الذين يتخذون القرارات المصيرية التي قد تعني الحياة أو الموت بالنسبة للكثير من المرضى.

وبطبيعة الحال، فإن قرارات هؤلاء تبنى على حسابات الربح والخسارة، لا على احتياجات المرضى. والنتيجة أن السيناتورات الذين تلقت حملاتهم ملايين الدولارات من لوبي الرعاية الصحية، هم من أخذ في نهاية المطاف زمام السيطرة على محتوى مشروع القانون.

خيار التأمين الصحي العام لم ير النور. فلقد تم التنازل عنه مقابل منح الأشخاص من عمر 55 إلى 65 سنة، الذين لا يستطيعون شراء تأمين صحي الآن، فرصة لشراء تأمين من مديكير. ثم تم بعد ذلك التخلي عن هذا الخيار أيضاًوهكذا توالت التنازلات، حتى أصبح مشروع القانون بشكله الحالي يخلو من أي شيء من شأنه أن يهدد بأي طريقة، الأرباح أو المكافآت الضخمة أو الطائرات الخاصة والأبراج المكتبية المرصعة بالذهب والمرمر، التي تنعم بها شركات الرعاية الصحية والتأمين الصحي والصناعات الدوائية.

في هذه الأثناء، كان بقايا الحزب الجمهوري يضحكون في سرهم، ويتظاهرون بالدخول في مفاوضات بناءة، بينما كان هدفهم الوحيد هو المزيد والمزيد من التأخير ومن الكذب، على أمل إلحاق هزيمة بأوباما، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة.

وبذلك حسمت نتيجة المعركة لصالح قراصنة وول ستريت والدجالين السياسيين. وهذا يعني خسارة للشعب الأميركي كله، خاصة المرضى، سواء من الطبقة الفقيرة أو الوسطى، أو حتى الأصحاء من هؤلاء الذين يخشون أن يمرضوا في يوم من الأيام.

كنا بحاجة إلى قيادة ذات مبدأ وعزيمة في البيت الأبيض والكونغرس، لكن الأشخاص الذين انتخبناهم لتطهير النظام السياسي من الفساد، لم يقدموا لنا شيئاً سوى الكثير من الأقوال بلا أفعال.

وما علينا فعله الآن، هو إخراج أولئك الفاسدين من السلطة، سواء من الجمهوريين أو الديمقراطيين، وإرسال فريق من النواب الجدد على أمل أن يكونوا أكثر صدقاً واستقامة وشجاعة. ثم نعيد الكرة مرة تلو الأخرى، إلى أن نتمكن من تصحيح الأمور.

صحافي أميركي متخصص في الشؤون الاستراتيجية

Writersalbayan.ae