قال أحد الحكماء «إن الحقيقة تختفي حين نجهد أنفسنا في أن تبدو لنا حمقاء، وقد يعشش حد أقصى من زيف المعاني أحيانا ليبدو لنا انه لا يستحق التفاتة من العقلاء».

للأزقة الضيقة فعل يقارب الجنون عندما يتحول العقل إلى حاضن للمزيف من الأفعال، والمبهرج مما تلوكه الألسن ساعة حضور شهود الزور، حيث يتجلى الكذب في وصف الحال مصفوفا مرصوصا وكأنه صف كتب على رف مكتبة صاغها شيطان رجيم، وعندما ينخر الزيف العقل لا فائدة ترجى حيث تضيق فرص النجاة وتغدو السلامة من شيم خاصة الخاصة.

ألسنا نعيش في ردح من زمان تاهت فيه الحقيقة بين ثنايا الأزقة الموهومة بالسياسة؟.. إن كانت متكئة على الواقعية بالنسبة لمريديها أو كانت رأس مالية لمن اتخذها إلها يعبد، أو حتى أولئك الهامشيين الذين أجادوا أصول التسول على قارعات الطرق بحثاً عن عفن اسمه المصالح، وكُثر هم من نستطيع أن نضعهم في سلة المبايعين على الاستمراء والغرق شبه التام في سرداب الغفلة.

والعقل مناط تحديد الصواب والخطأ، إذا ما ترك لسعيه ومساره في معرفة الحقيقة التي نراها ظاهرة في مضمونها الكوني الشاسع، مثله كذلك الأعرابي الذي شهد حفلا لتكريم فيلسوف قدم ألف ألف دليل على وجود الخالق، فقال الأعرابي بفطرته متى غاب حتى يستدل عليه؟! فانفض الحفل ونفض الحاضرون يدهم من جهد لا لزوم له أمام يقين متحقق.

لكن هذا العقل الذي هو مناط التفكير والتدبر استلب بفعل آلات التأثير الضخمة التي راكمت الشوائب وغذتها بما يلزم من متواليات الشهوات أحياناً، ومن بريق الماديات أحيانا أخرى، ومع تعدد الهزائم صار العطب جزءاً من العلاج إمعانا في الغيبوبة، والذهاب إلى الأبعد في متاهة الأزقة المظلمة حيث يقف الحليم حيرانا بينما المجاميع قد ذهبت بعيدا في الغياب.

هي فلسفة العقل والحقيقة إذن، ولم لا والحاجة ماسة إلى هذا الطرق المستمر ونحن على مفترق طرق نختار السير إما محملين بحكمة الأعرابي لنعبر الدرب بسلام وبأقل حد من الخدوش، أو أن نضع العقول تحت الآباط ونمضي سادرين في أزقة التيه وان حملنا على ظهورنا المكافآت الثقال، فهذه وسيلة وحمل الحقيقة غاية. النصب والتعب وارد لا محالة، الأزقة لم تعد كما كانت جزءا من الماضي يستدعي جميل الذكريات مع إشراقة صباح أو إغفاءة مساء.

الأزقة الآن مصنعة بأيادي الغرباء، وهي متاهة تقترب من بيوت الرعب، ولا شيء أصعب من التوهان عن الحقيقة واغتيال العقل.

talib99@emirates.net.ae