ليست هناك أبوظبي أو دبي، بل دوله الإمارات، فعندما تعثر سوق أبوظبي ودبي الماليان لأيام متتالية، من كان يُعاني من هذه الخسائر في الأسعار؟ الغالبية كانوا من مواطني الدولة، سواء من أبوظبي أو دبي أو غيرهما من الإمارات الأخرى، ماذا حدث عندما أقرضت أبوظبي دبي 10 مليارات دولار؟ زادت أسعار الأسهم في اليوم التالي زهاء 13 مليار دولار، يا له من استثمار بعائد وقدره 30% بين ليلة وضحاها.

أتاني ذات يوم أمر لحضور حفل لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وعندما وصلت إلى تلك المنطقة الصحراوية (تعرف الآن بمدينة الانترنت) اخبرني احد المسؤولين بأن منصة الحضور وأرضية الأعشاب الخضراء لم تكن موجودة قبل 48 ساعة، عندها أحسست بأن هناك موضوعا جللا سيطرح، وتحت الأضواء الكاشفة، أعلن سموه أن عدم العمل هو الخطأ، هكذا كان مفهومي. وهكذا أطلق سموه العنان لعمل غير مسبوق، حيث قبض الخيال من عنقه وطمس رأسه في التراب وضربه بمسمار الإبداع ومطرقة التطوير.

«رب ضارة نافعة»، فترجمة رؤية صاحب السمو إلى استراتيجية وأهداف محددة، كانت تتطلب تفعيلا مطردا وسريعا، وهكذا أتت منظومة من المؤسسات لتلبية هذه الأهداف، ومن أشهرها إعمار ونخيل ودبي العالمية ودبي القابضة (وتمت ولادة الكثير من المؤسسات التابعة).

وتبلورت ثلاث إمبراطوريات متنافسة، واتجهت نحو غزو العالم وتناست هدفها الأصلي وهو دبي، لا بل كانت تتناقض مع الرؤية التي دعت العالم لغزو دبي لتصبح مركز جذب عالمي بجميع المعايير. إن الثقة بالاستراتيجية هو الالتزام بها، والأزمة العالمية أبرزت الحاجة إلى إعادة الأمور إلى أصلها.

دعت الاستراتيجية إلى الاستثمار وتطوير عشرات الآلاف من الغرف الفندقية، وزيادة حجم تجارة التجزئة، لكن تم الخروج عنها. فعلى سبيل المثال تم شراء شركة فنادق ومتاجر للتجزئة، وكلها خارج دبي. وتم الاقتراض لشرائها في بلد أكثر تضررا من الأزمة الاقتصادية، مما أدى إلى تضاعف الديون والخسائر التشغيلية، في ظل هبوط في قيمة الاستثمار السوقية.

وهنا تبرز الحاجة للرجوع إلى دبي والتركيز على تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي انحرفنا عنها. الثقة تأتي على درجات وألوان مختلفة، والإفراط فيها له مساوئه، ففي التسعينات أصاب بعض دول شرق آسيا انهيار في أسعار عملاتها، وكانت هذه الدول ملقبة بالنمور الآسيوية نسبة لنموها الاقتصادي السريع.

وكانت كوريا الجنوبية من أكثر هذه الدول تأثراً بانهيار عملتها مقابل الدولار، فما كان لها إلا أن اتخذت إجراءات سريعة وصارمة بما فيها ملاحقة المسؤولين عن هدر المال العام، وتمت إعادة هيكلة مؤسساتها الاقتصادية الاستراتيجية..

وبهذا كانت كوريا أول النمور التي خرجت من الأزمة بكل قوة وثقة لتمتطي موقعها في الاقتصاد العالمي، إنه نموذج أثبت مقدرته لقلب الأمور رأساً على عقب.

نحن تحت وابل إعلامي محلي وأجنبي، ونحن نعرف أن الطرفين في صراع على الثقة، ولكن لماذا؟ إن الثقة في جوهرها ليست أداة إعلامية بل واقع وحقائق، فقد صرح لي احد تجار دبي المخضرمين بأننا إذا ما قارنا أنفسنا بأميركا وأوروبا، فلم ينكسر في دوله الإمارات بنك ولا أفلست شركة، أما إذا تطرقنا لدبي فإن وضعها الاقتصادي والتجاري متين وقوي.

فما من شركة عالمية تعمل في المنطقة إلا ولها مكتب تمثيلي في دبي، ومعظم التحركات التجارية الإقليمية لا بد أن تعبر من خلال دبي، فكيف إذا أضفنا لذلك امتلاكها حصة الأسد (أكثر من 70%) من سوق المعارض والمؤتمرات في الشرق الأوسط أو مراكز التسوق التي لا تضاهى في العالم و...؟ إن الثقة هي الحقائق والأرقام، وهي المصداقية والشفافية التي تتكلم عن نفسها.

في الأزمات كل شيء غير اقتصادي يقطع ويبتر، وكل ما يشكل عبئا على التدفقات النقدية يتطلب تقليص المصاريف حتى 50%، عندها تبدأ جولة بناء الثقة ورفع دخول الخزينة. إن الحلول قصيرة المدى لها أثر سلبي على الاقتصاد في المدى المتوسط والطويل، فهي تنعكس سلباً على التكلفة التشغيلية مما ينزع أحد المميزات التنافسية لدبي ويضر بمستوى الثقة.

«رأس المال جبان» فهو يحل ويطير متى شاء، وهناك آلاف المليارات تجوب العالم وتحتاج لمن يقتنصها مما يشكل فرصة سانحة، وهناك أمام الحكومة الكثير من الخيارات والأدوات الاستثمارية لاجتذابها، لتصب في وعاء «صندوق سيادي» يقوم بإدارتها وتحويل ريعها للخزينة، ويشكل هذا أحد الحلول طويلة المدى لكسب القوة المالية والتقليل من مخاطر أزمات المستقبل، ولتقوم مع غيرها من البرامج ببناء الثقة المستدامة.

كاتب إماراتي

wafik@almullaholding.com