خيبة الأمل الكبيرة التي يشعر بها التقدميون الأميركيون إزاء باراك أوباما، هي أحد تجليات المأزق الذي يعاني منه الرئيس الأميركي، والتي قد تنذر بعواقب وخيمة بعد أقل من عام من الآن، حين يذهب الناخبون للاقتراع العام في الانتخابات التشريعية القادمة في نوفمبر 2010.

والحقيقة أن خيبة الأمل تلك كان لها بعض الإرهاصات والتجليات، منذ الشهور الأولى لحكم أوباما.

فهي بدأت مع إعلان الرئيس المنتخب عن اختياراته لمن يشغلون المناصب المختلفة، سواء المتعلقة بالسياسة الخارجية أو الاقتصاد، والتي كانت تعبر عن أن أوباما ينوي أن يحكم من الوسط، أو ربما حتى من اليمين في بعض الحالات.

وقد كان التذمر في أوساط التقدميين يظهر بين الحين والآخر مع اتخاذ قرار ما، ولكن ظل هؤلاء يسعون طوال الوقت إلى إعطاء الرئيس فسحة من الوقت، يمكن بعدها الحكم عليه بموضوعية أكبر.

لكن التذمر وصل إلى ذروته في الأسابيع الأخيرة، حتى أنك لا تقرأ صحيفة تقدمية أو تتابع موقعا من مواقع التقدميين على شبكة الانترنت، إلا وتجد انتقادات لاذعة لأوباما ومرارة لا تخطئها العين بين ثنايا الخطاب.

وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، هي مواقف ثلاثة متزامنة لأوباما؛ أولها التصعيد العسكري في أفغانستان، وثانيها الموقف المتخاذل لإدارة أوباما من قمة كوبنهاجن للمناخ، وثالثها موقف الإدارة من المفاوضات الجارية في الكونغرس بشأن مشروع قانون الرعاية الصحية.

فقد اعتبر التقدميون أن أوباما حول نفسه لرئيس حرب وانحنى للعسكر، عندما قرر إرسال 30 ألف جندي إضافي لأفغانستان، هذا بينما توقعوا منه موقفا أكثر تقدمية بكثير من قضية الاحتباس الحراري.

ثم كانت ثالثة الأثافي حين تخلى أوباما عن بديل تلو الآخر في مفاوضات مشروع قانون الرعاية الصحية، مما أدى لتفريغ المشروع من أي مضمون حقيقي، وحوله من وجهة نظرهم إلى مشروع يكافئ شركات التأمين الكبرى، ويعاقب المواطنين الذين انتخبوه ليوفر لهم تأمينا صحيا يمكنهم تحمل تكاليفه.

والحقيقة أن جزءا كبيرا من اللوم يقع على التيار التقدمي نفسه. فقد كان واضحا أثناء الانتخابات أن الكثيرين أيدوا أوباما الذي في مخيلتهم، لا أوباما الحقيقي. فالرجل كان شديد الوضوح، مثلا، بشأن أفغانستان. فهو لم يقل أبدا إنه سوف ينسحب من أفغانستان، بل قال عشرات المرات طوال الحملة، إنه ينوي تصحيح خطأ إدارة بوش التي تجاهلت أفغانستان وأرسلت قواتها للعراق.

أكثر من ذلك، كان مشروع الرعاية الصحية الذي اقترحه أوباما في برنامجه الانتخابي، أقل تقدمية بكثير من برامج منافسيه الديمقراطيين: هيلاري كلينتون وجون إدواردز. لكن أوباما كان بالفعل البديل الأفضل انتخابيا لهزيمة الجمهوريين.

ومن هنا كان الأمل في نظري ـ وهو ما كتبته حينها ـ ليس في أوباما نفسه، وإنما في حركة أوباما الأكثر تقدمية منه بكثير. الأمل كان في أن تنظم هذه الحركة نفسها بعد الانتخابات، لتضغط على أوباما وتدفعه دفعا لتبني مواقفها.

وكان من حق تلك الحركة أن تكون مفعمة بالأمل في البداية. فأوباما انتخبته قوى بالغة التعددية، كان من بينها القوى التقدمية، وحظي بشعبية كبيرة كانت تسمح له باتخاذ قرارات جريئة. غير أن أوباما بدأ حكمه بالسعي لمد يده للجمهوريين، الذين رفضوا في الواقع يده الممدودة لهم، ومر مشروع إنعاش الاقتصاد، أول مشروعات أوباما، دون أصوات الجمهوريين.

لكن الدرس الذي خرج به أوباما، كان في الواقع غير الدرس الذي أراد التقدميون له أن يخرج به. فهم أرادوا أن يدفعه ذلك للجرأة في اتخاذ القرارات لتحقيق ما يريد، خصوصا أنه يملك أغلبية ديمقراطية في المجلسين، ثم يستخدم سماته الكارزمية لتحويل خصومه إلى محكمة الرأي العام. إلا أن الدرس الذي خرج به أوباما كان مختلفا، إذ قرر أن يحكم من الوسط ويسعى للتوصل لحلول وسط توفيقية، حتى وهو في أوج شعبيته.

وبدلا من أن تنظم الحركة التقدمية نفسها لتشكل قوة ضغط على أوباما توازن قوة اليمين، بل ومواقف أوباما نفسه، إذا بالحركة تسمح لأوباما بأن يستغلها هو، ويقوم بتنظيم بعض قطاعاتها لتدعمه في تمرير بعض التشريعات التي يريدها.

ولأن طبيعة العملية التشريعية الأميركية تنطوي على مفاوضات ومساومات ماراثونية، لا يمكن التنبؤ بمضمونها عند نقطة البدء. فقد انتهى الأمر بمشروع قانون الرعاية الصحية مثلا، لأن تم تفريغه فعلا من كل البنود التي كان يؤيدها التقدميون عند نقطة البدء، فشعروا بالخديعة وبتخلي أوباما عنهم.

والحقيقة أن المشكلة في موقف التقدميين الحالي من أوباما، هي أنه يدور بأميركا دورة كاملة حول نفسها، قد تعيدها إلى يد اليمين على المدى المتوسط. فصحيح أن التقدميين لم يكن لهم وحدهم الفضل في حمل أوباما إلى البيت الأبيض، إلا أنهم قاموا بأغلب الجهد التطوعي الذي حول حملة أوباما من حملة انتخابية تقليدية للرئاسة، إلى ما يشبه الحركة السياسية. وقد استطاع هؤلاء أن يضموا لقائمة الناخبين جيلا جديدا من الشباب الذي شارك لأول مرة، ليس فقط بالتصويت وإنما بالعمل التطوعي لحملة أوباما.

ولأن اليمين الأميركي مستنفر بالفعل للتصويت والحركة في الانتخابات القادمة، كونه يريد أن يترك مواقع الأقلية إلى مقاعد الأغلبية، فإن الخطر الذي يواجهه أوباما والديمقراطيون يتمثل في وصول التقدميين، قاعدة الحزب الديمقراطي، لقناعة بأن لا أمل في أوباما وحزبه، فيقبعون في بيوتهم أثناء الحملة الانتخابية ويوم الاقتراع العام، فتحسم أصوات اليمين النتيجة.

عندئذ قد يجد أوباما نفسه بعد تلك الانتخابات يتعامل مع كونغرس ذي أغلبية جمهورية، أو على أفضل تقدير كونغرس انكمشت فيه أغلبية الديمقراطيين، إلى حد يصعب معه تمرير أي شيء دون مزيد من الانحناء لليمين.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com