لا نسمع كثيراً من الأخبار عن العراق في هذه الأيام، فمن جهة مزقت الحرب هذه البلاد، ومن جهة أخرى أدت إلى تراجع شعبية الرئيس الأميركي السابق جورج بوش. وساهم الغضب بسبب ارتفاع الخسائر في حينه، في انتخاب مرشح مفوه مناهض للحرب العراقية، وهو المرشح باراك أوباما.
لكن قلما يظهر العراق في الأخبار، وهذا يبدو أمراً عجيباً، نظراً لاستمرار وجود 120 ألف جندي أميركي هناك!
إذن، لماذا كل هذا الصمت؟ باختصار لم يعد الجنود الأميركيون يتعرضون للقتل في العراق، بالمعدل الذي كان يحدث بين عامي 2006 و2008. فقد قتل منهم في أفغانستان هذا العام ضعف الذين قتلوا في العراق. وحتى الآن وقعت 4 إصابات قاتلة بين قوات التحالف خلال شهر ديسمبر، وهذا يضاهي نحو عُشر عدد الأشخاص الذين تعرضوا للقتل في شيكاغو عام 2008.
كما تغيرت منظورات الحرب في العراق بطرق غير منظورة. فعلى سبيل المثال، كان شعار «لا لإراقة الدم من أجل النفط»، شعاراً شائعا مناهضاً للحرب في أحد الأوقات، غير أن مزاد الحكومة العراقية على عقودها النفطية، رسا بصورة رئيسية على الروس والصينيين، وليس الأميركيين. وظهر أن الولايات المتحدة لم تذهب للعراق لسرقة موارده الطبيعية. وعوضاً عن ذلك ضمنت مزاداً علنياً عادلاً أرسته حكومة دستورية، فضلت أن تضخ نفطها شركات غير أميركية. وفي نهاية المطاف كنا أكثر مثالية، أو سذاجة، مما كنا متآمرين.
وفي الولايات المتحدة أصبحت صورة حربين شاركنا فيهما معكوسة تماماً، فعندما كان أقل من 100 أميركي يلقون مصرعهم سنويا في أفغانستان، وكانت جماعة طالبان متحصنة في مخابئها وبعيدة عن أعيننا، بدت الأزمة الأفغانية حرباً ضرورية ولا شائبة عليها، على النقيض من الجهود الفاشلة والمكلفة والاختيارية المبذولة في العراق. ولكن في عام 2009، خمدت حرب بوش السيئة، فيما اشتعلت الحرب الجديدة التي يشرف عليها الآن الرئيس الأميركي باراك أوباما في أفغانستان.
وفي المقابل تقلبت السياسات أيضاً. ففي أحد الأوقات جادل المرشح أوباما بأن على القوات الأميركية مغادرة العراق بحلول مارس 2008، ويجب إرسال مزيد من الجنود لأفغانستان، وبدا هذا مقبولا على نطاق واسع وقتئذ، نظراً لأن معظم الأميركيين كانوا يعتقدون أن وضع العراق ميئوس منه.
ولكن ضمن الأوضاع الحالية المعكوسة، امتثل أوباما على ما يبدو لخطة بوش ـ بترايوس بالانسحاب التدريجي المتزايد من العراق. وفي أفغانستان انتظر شهوراً عدة، قبل أن يوافق على طلب جنرالاته بجلب مزيد من القوات، بينما أصر على وضع جدول زمني لسحبهم من هناك.
ونتيجة لذلك، فإن الموالين اليساريين، الذين ساعدوا أوباما على ترسيخ مصداقيته المناهضة للحرب، يشعرون بالسخط الشديد على اعتزام الحائز على جائزة نوبل للسلام، إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان. والمثير للسخرية أن كبار مؤيديه وخصومه اليمينيين التقليديين، يهللون لاستماعه إلى جنرالاته.
وتبدو التغطية الإعلامية للحرب في العراق وأفغانستان، منفصمة الشخصية. فحتى الآن لا يظهر تصاعد القتال في أفغانستان على صدر الصفحات الأولى في الصحف الأميركية، كما كان يحدث بالنسبة للعراق. وتبدو وسائل الإعلام في معظمها مترددة في وصم أوباما ونعته بألفاظ سيئة، حتى الآن على الأقل، بالطريقة التي ساعدت بها على إسقاط الرئيس بوش نتيجة للأخبار التي كانت توردها من العراق.
وفي وقت من الأوقات كان العديد من وسائل الإعلام، ناهيك عن الكونغرس، يشعر بالبهجة نظراً لأن كبار الضباط المتقاعدين، في ثورة على الجنرالات الحاليين، كانوا يوجهون الانتقادات العنيفة لبوش والسلوك الأميركي في العراق.
والآن، وعلى الرغم من ذلك، نسمع عبارات القلق المتنوعة، لدرجة أن الجنرال ستانلي ماكريستال أعرب ذات مرة عن نفاد صبره من عملية اتخاذ القرارات في إدارة أوباما. وسواء كان مناسبا أن يخوض الضباط غمار السياسة أم لا، وسواء كانت هذه الانتفاضات محكوماً عليها بالفشل أو منطقية، فإن ذلك يعتمد على ما يبدو، على من يوجد في البيت الأبيض.
لماذا يتعين علينا تحقيق كل هذه الإخفاقات؟ لم نخسر العراق مطلقا، بينما لا تبدو الحرب على أفغانستان جيدة وسهلة. وغالبا ما يحتشد رجال الإعلام ويلاحقون استطلاعات الرأي، بدلاً من عرض تحليلات مستقلة. فالحملات البليغة والسياسيون يمثلان جانبا واحدا، بينما مسؤولية الحكم شيء آخر تماما. وعندما تنشب الحرب، لا يعرف أحد كيف سيكون مصيرها.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد