حصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس على دعم متزايد لموقفه، من خلال اجتماعين للمجلس المركزي في منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الثوري لحركة فتح خلال هذا الشهر. والدعم الذي حصل عليه هو التأكيد على استمراره في منصبه الى حين إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، ولموقفه التفاوضي المتمسك بوقف كامل للاستيطان بما فيه «النمو الطبيعي»، ووجوب الالتزام بمرجعية المفاوضات.

لكن «أبو مازن» كرر في الاجتماعين اللذين عقدا في الثالث عشر والخامس عشر من الشهر الجاري، أنه ما زال عند موقفه بعدم ترشيح نفسه للرئاسة ثانية، وأن لديه خطوات أخرى سيعلنها في حينه.

أبو مازن كما يبدو وكما يعبر عن نفسه، يجد أنه فشل في تحقيق برنامجه التفاوضي، فهو خاض الانتخابات على أساس شعارين هما: تحقيق الامن والأمان بفرض القانون وإنهاء الفلتان الأمني، ثم التفاوض لإقامة دولة فلسطينية على أساس حدود الرابع من يونيو 1967.

ورغم التأييد غير المسبوق من قبل إدارة جورج بوش الابن لإسرائيل، إلا أنه نجح في انتزاع موقف أميركي على لسان بوش، وهو أن حدود الدولة الفلسطينية هي حدود الرابع من حزيران 1967.

وقد لخصت وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس، نتيجة المفاوضات والجولات المكوكية التي قامت بها الى المنطقة للتوسط بين رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت والرئيس عباس، في 11 ورقة رفعتها الى إدارة الرئيس باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، وفيها نص عن أن حدود الدولة الفلسطينية هي حدود الرابع من يونيو 1967.

لكن الوزيرة الجديدة عندما روجعت في الأمر بعد امتداحها غير المبرر لقرار إسرائيل بوقف مؤقت للاستيطان، مع استثناء القدس وبناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية جديدة، أجابت بأن ما توصلت اليه الوزيرة السابقة غير ملزم لها، كما ان بنيامين نتنياهو يرفض استئناف المفاوضات من حيث انتهت مع سلفه أولمرت! وبالتالي تراجع الموقف الاميركي عن سابقه كثيرا، وتراجع الموقف الاسرائيلي أيضا.

والدعم العربي للموقف الفلسطيني تراجع هو الآخر، خاصة بعد تجربة اللقاء الثلاثي بين أوباما وعباس ونتنياهو، حيث كان عباس يرفض هذا الاجتماع الثلاثي أصلا لأنه بلا طائل، لكن الدول العربية ضغطت لإقناعه بالاجتماع العبثي.

وشعر الجانب الفلسطيني، خاصة بعد أن اعد مشروعا حول الهجمة الاستيطانية في القدس المحتلة، ان هناك خذلانا عربيا لموقفه عندما أعادت هيلاري كلينتون الورقة حول القدس في الأمم المتحدة الى صائب عريقات، الذي قال لها إن هذا الموقف هو موقف كل العرب، فقالت له: «هذا موقفك، وليس موقف العرب»!

وشعر الفلسطينيون بأن التراجع لا يشمل الموقف الاميركي والإسرائيلي فقط، بل والعربي أيضا، وفي قضية لا يختلف عليها اثنان، وهي القدس المحتلة! وعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني، تبدو أيضا آفاق المصالحة مسدودة، مثلها مثل الأفق التفاوضي، فالورقة المصرية التي وافقت عليها فتح ضمن المهلة الممنوحة، لم توقع عليها حركة حماس، بل تلقى الرئيس الفلسطيني تهديدا أمريكيا مباشرا بوقف المساعدات الاميركية وإعادة فرض الحصار المالي دوليا على السلطة، في حالة إقرار الورقة المصرية، لكنه رفض التهديد وأرسل ممثله إلى القاهرة لتوقيع الورقة.

وعلى صعيد صفقة تبادل الأسرى، وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود بسبب إصرار إسرائيل على عدم تلبية شروط حماس، ولا يتعلق الأمر بمجموعة من الاسرى، بل بحوالي مائة من أشهر قيادات حماس الميدانية والعسكرية، ولا تريد بعد تداول الأسماء إسقاط أي منهم. فهي تريد صفقة مشرفة تشمل أشهر قادتها.

وتريد أسرى من العرب والقدس المحتلة ومنطقة 1948، وتريد قادة سياسيين مثل مروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وأحمد سعدات الامين العام للجبهة الشعبية، فللصفقة أبعاد إنسانية وسياسة تريد حماس إنجازها، بينما بات نتنياهو في موقف دفاع داخلي باعتباره من يعرقل الصفقة.

هذه الأجواء المغلقة كلها في وجه الرئيس الفلسطيني، هي التي جعلته يتمسك بعدم الترشح ثانية، وهو يعلم أنه إذا لم يحدث اختراق سياسي فإنه لا يستطيع استئناف المفاوضات مطلقا، وأنه سيتعرض لضغوط دولية وأميركية وعربية لاستئناف المفاوضات من موقف ضعف وفي ظل الاستيطان.

ويتعلق الفلسطينيون حالا بأملين؛ الأول محاولة اللجوء إلى كل المنظمات الدولية، بما فيها لجنة ميثاق جنيف ومحكمة الجزاء الدولية ومجلس الأمن... الخ، لعرض قضيتهم على المستويين الحقوقي وطلب الحماية الدولية ومحاولة ترسيم حدود الدولة الفلسطينية.

والثاني يحاوله المبعوث الأميركي جورج ميتشل في اتجاه ترسيم الحدود، لانتزاع فتيل الخلاف حول الاستيطان، ويجري مشاورات سرية مع الاسرائيليين حول ذلك.

وهذا يعني فتح الطريق المسدود أمام المفاوضات، وربما كل الأبواب المغلقة.. وإلى أن يتم ذلك، تبقى القضية الفلسطينية في إجازة.

كاتب فلسطيني

hafezbargo@hotmail.com