تتميز الأجواء السياسية السودانية بغرائبية سحرية يحسدنا عليها ماركيز ورفاقه، إذ يعيش الجميع قدرا كبيرا من الارتباك يجعل تصرفاتهم خالية من العقلانية والتفكير. وهذا وضع طبيعي في بعض جوانبه وذلك لأننا، حسب الرياضيين، نلعب في الوقت الضائع، فلابد من التوتر وعدم التركيز.

فقد أضعنا وقتا ثمينا في ظروف حساسة وصعبة، كانت تحتاج لقدر من الجدية والمسؤولية، وهي خصال افتقدتها كل الأطراف. ولا يوجد أي تبرير يفسر أين ضاعت قرابة الخمس سنوات من عمر الشراكة؟

ولكن المهم الآن انه لم يتبق على الانتخابات غير أربعة أشهر، وللاستفتاء غير عام. فالمؤتمر الوطني، المناور الأعظم، ضاقت أمامه مساحة الحركة ولم يبق له وقت يلعب به ويضيعه. وتكتفي الأطراف الأخرى بالفرجة والشماتة وهي تنتظر كيف سيتصرف المؤتمر الوطني، وهي مطمئنة أن الجنرال الزمن سيحارب معها معركة اللحظات الأخيرة.

كانت الأيام الماضية من أكثر فترات عهد الانقاذ حرجا وكشفا لقدراته الحقيقية. فقد استنفد كل ذخيرته من المغالطات وحشد خبراء الكلام الذين لا يقولون شيئا. وعجز كل المناصرين لقمع المسيرتين في تقديم أي أسباب منطقية أو دستورية، تبرر المبالغة في استخدام العنف قبل الانتخابات بشهور. ولكن أخيراً جاء الفرج كالعادة من الخبراء الأمنيين، وليس السياسيين ولا الدستوريين.

ففي تصريح لمستشار الأمن القومي، الفريق أول صلاح عبد االله قوش أمام البرلمان قال إن قرار منع موكب قوى جوبا يعد جزءا من استراتيجية أمنية قامت بها السلطات. وأشار إلى وجود مجموعات تخريبية داخل الموكب السلمي، وقال ان هذه المجموعة «تريد أن تخلق بعض التفلتات الأمنية ورأينا منعها وعدم التصديق لها»، وأكد أن الحركة الشعبية لا علم لها بتلك المجموعات (الصحافة 15/12/200، وهذا هو القول الفصل.

هناك سلطة تقديرية للأمن لا تحتاج لاسانيد من خارجها، ومن هنا تأتي المخاوف التي يثيرها المعارضون لقانون الأمن القومي. ففي هذه الفترة من عمر الاتفاقية، تصبح الحاجة إلى ضمانات ممارسة الحقوق الأساسية، ومنها التظاهر والتنظيم والتعبير، ضرورية وملحة كمقدمات للانتخابات.

ورغم إشكال القصور السابق الذي ما زال يحكم عملية التحول الديمقراطي، قفز المؤتمر الوطني إلى استراتيجية وآلية أخرى في الصراع، تتمثل في التخويف والتحدي بالانتخابات، إذ يكاد يجمع المسؤولون على القول لدى مخاطبة المعارضة: أمامنا صندوق الاقتراع فلنحتكم إليه! وهذه حيلة لتجاوز الحديث عن استحقاقات الانتخابات الراهنة، من تحول ديمقراطي وتمهيد ملائم وضمانات سابقة للاقتراع.

فالمؤتمر الوطني يسعى إلى انتخابات بلا تنافس سابق للاقتراع، ويتهرب من أجواء الحرية في الفترة السابقة للتصويت، فهو يخشي المحاسبة لو أطلق الحريات. ومن أهم الملفات التي يخشي منها المؤتمر الوطني قبل الانتخابات، ملف الفساد والتلاعب بالمال العام واستباحة ممتلكات الدولة والشعب، وبيعها بتراب الفلوس.

سوف يتضرر المؤتمر الوطني كثيرا، لو فتح هذا الملف وتم الحديث عنه في الليالي السياسية والصحف. فإذا كان المؤتمر الوطني سوف يعوّل في دعايته الانتخابية على الانجازات والخدمات، فإن المعارضة سوف تواجهه بتجاوزات الفساد. لذلك لا بد أن يضع العقبات لكي يبقي هذا الباب مغلقا، مهما كان الثمن الخاص بتهمة الحجر على الحريات.

ومن ناحية أخرى، لا يريد المؤتمر الوطني ان يغامر بإعطاء المعارضة فرصة لاستعراض قوتها في الشارع، فهو يكتفي الآن بالترويج والدعاية بأن المواكب هزيلة. كنت أتمنى لو تم التصديق لموكب المعارضة وسمح لها بحشد مؤيديها، ثم أعقب ذلك موكب للمؤتمر الوطني. وفي هذه الحالة يمكن للجماهير أن تقرر بنفسها مباشرة قوة كل طرف، وليس بواسطة التقارير الإعلامية الرسمية. وأكرر، هذا هو التنافس الديمقراطي.

رغم ما تقدم، يتحدث المؤتمر الوطني متحديا ومستفزا للأحزاب ويتوعدها بالهزيمة، ويطلب من جماهيره أن تجهز للأحزاب مقابرها في صناديق الاقتراع. ورغم بعد هذه اللغة عن الروح الديمقراطية، لكنها تنم عن ثقة مفرطة في النفس. ولكن من أين أتت هذه الثقة؟ وهل هي حقيقية أم أن المؤتمر الوطني يقصد التهويش فقط؟

أجرى احد أقسام تنظيم المؤتمر دراسة مسحية في المناطق الشمالية، وتوصل إلى أن الانتخابات لو قامت الآن وحتى إبريل، فإنهم سوف يحصلون على 70 من الأصوات في كل انتخابات، وعلى هذا بنوا تقديرهم وتحمسوا لإجراء الانتخابات. ويضاف إلى ثقتهم هذه وجودهم في السلطة، لذلك يعمل المؤتمر الوطني على عدم تغيير هذا الأمر الواقع والإبقاء عليه.

هناك اتجاه يتنامى وسوف يقلب كل حسابات المؤتمر الوطني، ويدخله في صراع وأزمة حقيقية مع قوى عديدة داخلية وخارجية. فقد تعالت منذ مدة أصوات تنادي بتأجيل الانتخابات.

وقد جاءت الدعوة في البداية من مجموعة من الشخصيات الوطنية التي أعلنت مبادرة تحدثت عن الأزمة الحالية، ورأت ان الزمن ضيق ولا بد من التمديد، ثم جاء تصريح عابر للمبعوث الأميركي سكوت غرايشن في نفس المعنى ولكن لم يتابعه. وفي هذا الأسبوع جاءت في تقرير مركز أبحاث الأزمات الدولية والذي يحمل عنوان: «منع الانفجار الداخلي»، دعوة إلى تأجيل الانتخابات حتى نوفمبر 2010.

والغرض من التأجيل هو إفساح المجال لمزيد من الوقت، أمام إجازة مجموعة كبيرة من الاصلاحات الديمقراطية، والاتفاق على وقف إطلاق النار في صراع دارفور المنفصل، لإعطاء الفرصة للمواطنين هناك للمشاركة في التصويت.

يبدو في الأفق سيناريو خطير ويحتاج إلى استعداد لكيفية التعامل معه. قد تكون بعض القوى السياسية غير مستعدة للانتخابات، ولكنها بالتأكيد ستدخل في مزايدات في حالة التأجيل. وهل سيقبل المؤتمر الوطني بالتأجيل دون ثمن يعادل خططه وتوقعاته؟

نحن أمام خطر التوتر والنزاع بسبب انتخابات مزورة، وهذا حكم بدأت حيثياته من الآن، وفي نفس الوقت لن نتجنب الفوضى في حالة تأجيل الانتخابات وعدم قيامها في موعدها.

وهذا مأزق خطير لن نكون قادرين على الخروج منه بقدراتنا الذاتية ومع اختلافاتنا الحالية. وهنا توقع الأميركيون فراغا سياسيا سوف يسعون لملئه، وبالفعل جاء في الأنباء أن المبعوث الأميركي الخاص قد كشف عزم الإدارة الأميركية على إرسال فريق عمل أميركي إلى السودان، يستقر بشكل دائم لدعم عملية التحول الديمقراطي والانتخابات مع مراقبة تنفيذ اتفاقية السلام الشامل (صحيفة الأحداث 16/12/2009).

ومن نافلة القول التذكير بحرج الوضع السوداني، ولكن لا بد من الإقرار بعدم جديتنا في تقدير حجم القادم، وقد يكون العجز وليس عدم الاهتمام.

كاتب سوداني

ssc_sudan@yahoo.com