ورشة العمل الحكومية التي انطلقت في لبنان مؤخراً، شكّلت بدء مرحلة جديدة ستحكمها على الأرجح عناوين كثيرة على أكثر من صعيد.
وبالرغم من أن جميع الملفات وما سيتفرع عنها، هو بلا شك مهم بسبب ملامسته قضايا الناس اليومية، إلا أن أحد العناوين البارزة لهذه الحكومة سيتّصل حتماً بطبيعة العمل الدبلوماسي الذي ستخوضه بالنيابة عن لبنان وشعبه، خصوصاً في هذه المرحلة التي تتسم بكثير من الدقة والترقب.
فالدبلوماسية تبقى المرآة العاكسة لطموحات وطنية شبه جامعة، تحاول الحكومة الفائزة بثقة المجلس النيابي أن تنقلها إلى العالم الخارجي بكل أمانة وموضوعية. وتكتسب هذه المهمة طابعاً استثنائياً في الظروف المحيطة بلبنان تحديداً، نظراً للاعتبارات الكثيرة المرافقة لعمله السياسي الداخلي، لكن أيضاً بسبب كل ما هو مرتبط بالصراع القائم على الصعيدين الإقليمي والمحلي حيال بعض الملفات المطروحة.
وأبرز تلك الملفات هو موضوع المقاومة المسلحة في جنوب لبنان، وكيفية استيعاب ما تثيره من خلافات واختلافات في وجهات النظر ضمن العمل السياسي الحكومي الرسمي، لكن أيضاً، وهذا هو الأهم، ضمن تكتيكات العمل الدبلوماسي.
ولا أذيع سرّاً إن قلتُ إن كثيراً من المراقبين حول العالم، ومنهم بالطبع دبلوماسيون أجانب فاعلون في مراكز عملهم، ينتظرون بشوق معرفة الآلية التي ستعتمدها حكومة الوفاق الوطني في لبنان حيال هذا الملف الحساس. ويتشوّقون أكثر لمراقبة أداء الدبلوماسيين اللبنانيين أثناء ترجمتهم العملية لما ورد في نص البرنامج الوزاري، من إشارة لموضوع المقاومة ودفاعها مع القوى الأخرى عن سيادة لبنان.
ويرتبط هذا الأمر بإشكاليّتين أساسيّتين متكاملتين؛ فهؤلاء الدبلوماسيون هم في الأساس متباعدون في الانتماء السياسي، بسبب التركيبة الطائفية المشوّهة التي تحكم عملية توظيفهم في السلك الدبلوماسي (مثل غيره من القطاعات الحساسة)، وهو ما يعني، ثانياً، أن فريق العمل غير المتجانس لن يكون قادراً بالحد الأدنى على ممارسة قناعاته، فكيف سيكون قادراً على إقناع الدولة التي يتمثّل فيها بأية معطيات أو مبررات قد تحاول السلطة المركزية نقلها باسم لبنان.
واستكمالاً لما سبق، فإن جدّية المسألة تكمن أيضاً في أن بعض الدبلوماسيين اللبنانيين، المتنافسين من خلال درجة انتمائهم الطائفي وتوجههم السياسي، لم يكونوا متعودين أصلاً ولفترة طويلة من الزمن، على ممارسة عملهم السياسي ـ الدبلوماسي بنفس الاحترافية المهنية التي يتمتع بها دبلوماسيون آخرون حول العالم.
أما نتيجة ذلك فتتمثل عادة بنقل الموقف الرسمي بطريقة جافة وغير مقنعة عندما يطلب منهم ذلك، في حين أن مواقفهم الشخصية التي يعكسونها بشكل أوضح خلال المجالس الخاصة، تكون أكثر تأثيراً على سمعة الوطن، لأنها تعكس حقيقة الوضع القائم بشكل أدق وأكثر موضوعية.
وهنا لا نتحدث بالطبع عن العمل الدبلوماسي في الدول الصديقة المتفهّمة لحيثيات السياسة اللبنانية ومشاكلها المختلفة، بل عن تلك التي تتطلب جهداً دبلوماسياً خلاّقاً، يكون قادراً على مواجهة العمل الدبلوماسي المؤثر بشتّى أشكاله وصوره.
واستكمالاً لما سبق عن المواضيع الحساسة التي ستميّز أداء السلك الدبلوماسي اللبناني خلال المرحلة المقبلة، ومنه تحديداً ما يخص الملفات الإقليمية الحارة ومشروع المقاومة المسلحة في لبنان، نجد أنفسنا أمام وضع دبلوماسي في غاية الدقة والصعوبة.
وهذا يتطلب من الحكومة إعداد جيش من الدبلوماسيين القادرين على أداء المهام المطلوبة منهم بكل عناية وأمانة، أخذاً بعين الاعتبار أن الطرف الآخر المفترض مواجهته على هذه الجبهة، قد بات على درجة كبيرة من الاستعداد والتهيؤ، وأثبت فعاليته في أكثر من محفل ومكان. ولا أتحدث هنا عن درجة توحّد فريق عمله، لأن ذلك يعتبر هناك من البديهيات الأساسية، في حين يبقى التفرق الانتمائي في السلك الدبلوماسي اللبناني سمة خطيرة تلقي بظلالها على الأداء العام.
سمعنا قبل أيام عن نشاطات دبلوماسية روتينية أطلقها وزير الخارجية اللبناني الجديد، لشرح ما تضمنه البيان الوزاري من قضايا مرتبطة بمشروع المقاومة وملفات النزاع المرتبطة بالصراع مع إسرائيل. وقد يكون مفيداً في هذا السياق أن يوسع المعنيون بالعمل الدبلوماسي نشاطهم، من خلال تنفيذ سلسلة من الخطوات الهادفة لرفد وزارة الخارجية بالقوة والمرونة المطلوبتين خلال هذه المرحلة تحديداً.
وليس خافياً أن المطلوب في الوقت الحاضر هو ضخ دماء جديدة إلى سدة المسؤولية، لتكون قادرة على التحرك بشكل أكثر فعالية مما كان سائداً. وحسب المعلومات المتوفرة، فإن السلك الدبلوماسي يحتوي على قدرات مهنية كثيرة، ستكون مفيدة جداً في حال تم صقلها بما يتلاءم مع السياسة الموحّدة التي قررت الحكومة الجديدة تبنّيها.
تضاف إلى ذلك حتماً، سلسلة من الخطوات الجذرية المهمة، وأبرزها إجراء عملية تنظيف داخل هذا السلك، لتحريره من بعض الشخصيات التي أثبتت تجاربها المريرة الكثيرة أنها ليست سوى عبء كبير عليه وعلى سمعة الوطن. وسبق أن أشرنا إلى هؤلاء في مقالات سابقة.
لقد نالت حكومة سعد الدين الحريري ثقة تاريخية شبه جامعة، وهي تحظى بلا شك بتأييد قطاع كبير من القوى السياسية المتمثلة في المجلس النيابي. لكن هذا الدعم سيكفي فقط لتنفيذ بنود البيان الوزاري المرتبطة بالشأن الداخلي الخدماتي، وربما للإضاءة على غيره من البنود ذات الأهمية الخاصة، والتي تنضوي تحت لواء الحقائب السيادية المختلفة.
ما سيكتسب أهمية فريدة اليوم، هو كيف ستتمكن هذه الحكومة من ترجمة قناعاتها في العمل الدبلوماسي الخارجي، في ظل التباين الواضح في الآراء حيال القضايا الحساسة، والموجود حتى ضمن الفريق الحكومي نفسه. وإذا أضفنا إلى ذلك فسيفساء الانتماء المذهبي الواسع بين الدبلوماسيين الذين يمثلون لبنان حالياً، فلا يسعنا عندئذ إلا أن نأمل بأن تفاجئنا الحكومة الجديدة بخطة جديدة، تتسم بكثير من الحكمة والحسم أثناء ملامستها للقضايا المصيرية.
كاتب لبناني
